مصطفى صلاح يكتب: التعليم المفتوح.. معركة العقل المصري ضد الإقصاء
لم تعد قضية التعليم المفتوح في مصر مجرد خلاف إداري حول نظام دراسي، ولا مجرد نقاش أكاديمي بين مؤيد ومعارض، بل تحولت — في عمقها الحقيقي — إلى معركة بين عقل يريد أن يفتح النوافذ، وعقل آخر لا يزال يؤمن بأن إغلاق الأبواب هو الطريق الأسهل للسيطرة على المستقبل. ولهذا فإن الذين يختزلون القضية في لوائح أو إجراءات أو مسميات جامعية، يفشلون في رؤية الصورة الأكبر؛ صورة مجتمع كامل يصارع من أجل حقه في المعرفة.
إن أخطر ما يواجه أي أمة ليس الفقر الاقتصادي وحده، بل الفقر العقلي حين يتحول إلى سياسة غير معلنة. فالمجتمعات يمكنها أن تنهض بعد الهزائم، وأن تتجاوز الأزمات، لكنها حين تبدأ في محاصرة حق الإنسان في التعلم، فإنها تدخل مرحلة الشيخوخة الحضارية حتى لو ارتفعت فيها الأبراج واتسعت الطرق.
ومن هنا تبدو الحرب على التعليم المفتوح أكثر خطورة مما يتصور البعض، لأنها ليست حربًا على نظام تعليمي، بل حرب على فكرة “الفرصة الثانية”. تلك الفكرة التي تخيف دائمًا العقول الجامدة، لأن الإنسان الذي يمتلك فرصة جديدة يصبح أكثر قدرة على الحركة، وأكثر صعوبة في الترويض.
لقد ظل التعليم، عبر التاريخ المصري الحديث، الوسيلة الوحيدة تقريبًا للصعود الاجتماعي. الفقير كان يرى في الشهادة طوق النجاة، وابن القرية كان يعبر بها إلى المدينة، والموظف البسيط كان يعتبرها الطريق الوحيد لانتزاع اعتراف المجتمع بإنسانيته وكفاءته. ولهذا فإن حرمان الناس من التعليم لا يعني فقط حرمانهم من المعرفة، بل حرمانهم من الأمل نفسه.
وعندما ظهر التعليم المفتوح، لم يكن اختراعًا عبثيًا أو نزوة بيروقراطية كما يحاول البعض تصويره، بل كان محاولة متأخرة للاعتراف بأن الحياة لا تسير بخط مستقيم، وأن آلاف البشر قد تعثروا لأسباب اقتصادية واجتماعية وإنسانية لا علاقة لها بقدراتهم الحقيقية. العامل الذي التهمته لقمة العيش، والأم التي أوقفت تعليمها من أجل أسرتها، والشاب الذي سحقه الفقر مبكرًا… كل هؤلاء وجدوا في التعليم المفتوح نافذة نجاة وسط جدران مغلقة.
لكن المشكلة أن بعض العقول في مصر لا تزال تتعامل مع التعليم بعقلية “البوابة الحديدية”، حيث يجب أن يمر الجميع من فتحة واحدة، وفي توقيت واحد، وبالشروط نفسها، وإلا اعتُبروا أقل استحقاقًا. وهي عقلية لا تفهم شيئًا عن طبيعة العصر ولا عن التحولات الهائلة التي يشهدها العالم في مفهوم التعليم نفسه.
فالعالم اليوم تجاوز فكرة الجامعة التقليدية بوصفها الشكل الوحيد للمعرفة. الجامعات الكبرى أصبحت تعتمد على التعليم الإلكتروني والتعليم المرن والمنصات الرقمية، لأن المعرفة لم تعد حبيسة الجدران. أما نحن، فلا يزال بعضنا يناقش التعليم المفتوح وكأنه خطر أمني لا نظام تعليمي.
والأكثر إثارة للسخرية أن كثيرًا ممن يحاربون التعليم المفتوح يرفعون شعار “الجودة”، بينما الحقيقة أن الجودة لا تتحقق بالمنع، بل بالتطوير. فالطبيب الفاشل لا يعالج المرضى بإغلاق المستشفى، والمهندس الفاشل لا يصلح البناء بهدم المدينة كلها. لكن العقل الإداري الكسول يجد دائمًا أن أسهل الحلول هو الإقصاء، لأنه عاجز أصلًا عن الابتكار.
إن الذين يقفون ضد التعليم المفتوح لا يخشون على مستوى التعليم بقدر ما يخشون من اتساع دائرة الفرصة. فالمعرفة، بطبيعتها، قوة مقلقة لكل عقل اعتاد الاحتكار. ولهذا يبدو بعض المعارضين وكأنهم يريدون مجتمعًا مغلقًا يتحرك فيه الناس وفق طبقات ثابتة لا يجوز تجاوزها، حيث يظل التعليم امتيازًا اجتماعيًا أكثر منه حقًا إنسانيًا.
والحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها أن قيمة الإنسان لا تحددها الطريقة التي تعلّم بها، بل ما يمتلكه من وعي وكفاءة وقدرة على التطور. فكم من خريج جامعة تقليدية يحمل شهادة بلا عقل، وكم من إنسان تعلّم خارج المسارات التقليدية استطاع أن يصنع تأثيرًا حقيقيًا في مجتمعه.
إن الأزمة الحقيقية ليست في التعليم المفتوح، بل في العقل الذي يخشى التغيير. ذلك العقل الذي لا يزال يعيش داخل زمن قديم، ويريد أن يفرض منطقه على عصر يتحرك بسرعة الضوء. ولهذا فإن معركة التعليم المفتوح هي — في جوهرها — معركة بين المستقبل والماضي، بين مجتمع يريد أن يتنفس، وآخر يخاف من الهواء.
ومن هنا تكتسب التصريحات الأخيرة للنائب الدكتور رضا عبدالسلام أهمية خاصة، لأنها أعادت القضية إلى أصلها الحقيقي؛ حق الإنسان في التعلم، وواجب الدولة في احترام أحكام القضاء وعدم تعطيلها. فحين تصبح الأحكام القضائية النهائية محل تعطيل أو تجاهل، فإن القضية تتجاوز التعليم لتصل إلى فكرة الدولة نفسها.
كما أن التحركات التي تقودها “رابطة التعليم المفتوح” برئاسة الدكتور عامر حسن تعكس إدراكًا متزايدًا بأن المعركة لم تعد معركة طلاب فقط، بل معركة مجتمع كامل يريد أن يؤمن بأن الفرصة لا يجب أن تُقتل بسبب العمر أو الظروف أو الشكل التقليدي للتعليم.
إن الأمم الحية لا تخاف من انتشار المعرفة، بل تخاف من احتكارها. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يشعر الإنسان فيه أن أبواب المستقبل أُغلقت أمامه إلى الأبد.
ولهذا فإن الدفاع عن التعليم المفتوح ليس دفاعًا عن شهادات، بل دفاع عن الإنسان نفسه؛ عن حقه في أن يبدأ من جديد، وعن حقه في أن يتعلم مهما تأخر الوقت، وعن حقه في أن يحلم دون أن تقف أمامه عقول صدئة تخشى الضوء لأنها اعتادت العيش في الظلام.
فالمعرفة، في النهاية، ليست رفاهية تمنحها السلطة متى تشاء، بل حق وجود. وحين تبدأ الأمم في محاصرة عقول أبنائها، فإنها لا تبني المستقبل… بل تؤجل سقوطها فقط.









