الخميس 4 يونيو 2026 05:14 صـ 18 ذو الحجة 1447 هـ
موقع البيان نيوز
المدير التنفيذي أميرة الزيات الإشراف العام أحمد حمدي رئيس التحرير محمد أبو العزم
×

مصطفى صلاح يكتب: «الطمّوا معنا».. برنامج «تفاصيل» استدرار المشاعر وتشويه المجتمع المصري

الأربعاء 14 يناير 2026 06:28 مـ 25 رجب 1447 هـ
الكاتب مصطفى صلاح
الكاتب مصطفى صلاح

لم تعد بعض البرامج تُقاس بقدرتها على تفسير الواقع أو الإسهام في وعي المتلقي، بل بمقدار ما تُنتجه من انفعال لحظي. هكذا يبدو برنامج «تفاصيل»، حيث تتحول الحلقة إلى مشهد وجداني مكتمل العناصر، تُدار فيه المشاعر بدقة، بينما يغيب المعنى، ويُؤجل السؤال، ويُستبعد الفهم.

الفكرة الأساسية للبرنامج شديدة البساطة، حد التكرار. ضيف يحمل مأساة، قصة شخصية تُعرض منفصلة عن سياقها، تدخلات صوتية مشحونة، وموسيقى تُمهِّد للبكاء قبل أن ينطق أحد. لا مسار فكري للحلقة، ولا تطور منطقي للأسئلة، ولا محاولة جادة لربط الخاص بالعام. المشاهد لا يُقاد إلى فهم الظاهرة، بل يُدفع إلى التفاعل العاطفي معها فقط.

نهال طايل، مقدمة البرنامج، لا تُمارس دور الإعلامية بالمعنى المهني، بل تؤدي دور المُحرّك الوجداني للحلقة. نبرة الصوت، الإيقاع، لغة الجسد، كلها أدوات تُستخدم لتكثيف الانفعال. السؤال لا يُطرح لاستجلاء حقيقة، بل لإثارة استجابة شعورية. ومع هذا الأسلوب، تصبح اللغة العربية عنصرًا ثانويًا، فتضيع مخارج الحروف، وتختل التراكيب، حتى تتحول عبارة «ابقوا معنا» إلى «ابكوا معنا»، في لحظة تختصر فلسفة البرنامج بأكملها.

«ابكوا معنا» ليست مجرد زلة لسان، بل دلالة. دلالة على أن البقاء أمام الشاشة لم يعد مشروطًا بالاهتمام أو الفهم، بل بالمشاركة الوجدانية. وهنا تتحول العبارة إلى مادة ساخرة في ذاتها، لأنها تكشف أن اللغة لم تعد أداة توضيح، بل وسيلة تعبئة عاطفية، حتى وإن جاءت على حساب سلامتها.

فريق الإعداد يتحرك داخل هذا الإطار ذاته. لا يظهر أثر لاسكريبت محكم، ولا لبناء حلقة قائم على فكرة أو هدف. كل ما يُلاحظ هو إدارة دقيقة للحظة: متى يتصاعد التوتر، متى تتدخل المذيعة، متى تُرفع الموسيقى، ومتى تُقفل الكاميرا على تعبير متأثر. الحلقة تُدار كوحدة انفعالية، لا كعمل إعلامي ذي مضمون.

أما رئاسة التحرير، ممثلة في أحمد سامي، فتبدو حاضرة بالاسم أكثر من الأثر. غياب الرؤية التحريرية الواضحة يجعل الحلقات متشابهة، تكاد تُعاد بصيغ مختلفة. لا تنويع في الزوايا، ولا تطوير في الطرح، ولا محاولة لصياغة خط تحريري يوازن بين الإنساني والمعرفي. الانفعال يصبح هو القاعدة، وكل ما عداه هامش.

البرنامج يعتمد بوضوح على اللعب على مشاعر الناس. المأساة تُعرض مجردة من سياقها الاجتماعي أو الاقتصادي، والفرد يُعزل عن محيطه، وكأن أزمته حدث منفصل لا علاقة له ببنية أوسع. لا تفسير، لا تحليل، لا ربط. فقط عرض مكثف للحالة، ثم الانتقال إلى حالة أخرى، في دورة لا تنتهي.

الأخطر أن معيار النجاح يبدو واضحًا: الدموع. كلما زاد التأثر، عُدّت الحلقة ناجحة. كلما بكى الضيف، اعتُبر المحتوى مؤثرًا. حتى تأثر المذيعة نفسها يتحول إلى جزء من العرض. وكأن الإعلام اختزل وظيفته في استدرار المشاعر، لا في توسيع الإدراك.

هذا النمط لا يضر بالمهنة فقط، بل يُنتج صورة مختزلة عن المجتمع، تُقدَّم فيه الحياة وكأنها سلسلة من الانكسارات المتتالية، بلا مقاومة، بلا تفسير، بلا أفق. صورة تُستهلك بسرعة، وتُنسى بالسرعة نفسها، دون أن تترك أثرًا معرفيًا حقيقيًا.

ولا يمكن فصل هذا النمط من التقديم عن حالة عامة أصابت بعض الإعلام المرئي، حيث جرى الخلط بين “الإنساني” و“العاطفي”، وبين التعاطف والفوضى الشعورية. فالقضية الإنسانية حين تُعرض بلا سياق، تتحول من مدخل للفهم إلى سلعة استهلاكية، تُستخدم مرة، ثم تُلقى جانبًا، ليأتي غيرها في الحلقة التالية. وهنا لا يعود الضيف إنسانًا له تجربة، بل مادة صالحة للبكاء المؤقت.

المشكلة ليست في عرض الألم، فالألم جزء أصيل من الواقع، بل في الطريقة التي يُدار بها هذا الألم. حين يُفصل الوجع عن أسبابه، ويُنزَع من محيطه، ويُقدَّم باعتباره قدرًا فرديًا لا تفسير له، فإن الرسالة الضمنية تصبح خطيرة: لا تسأل، لا تفهم، فقط تأثر. وهو منطق يُفرغ الإعلام من دوره التنويري، ويعيده إلى وظيفة بدائية تقوم على الإثارة وحدها.

اللغة، التي يفترض أن تكون جسر الفهم، تُختزل بدورها في عبارات إنشائية مكررة، لا تحمل دقة ولا عمقًا. وحين تضعف اللغة، يضعف الفكر بالضرورة، لأن التعبير الرديء لا ينتج إلا معنى مرتبكًا. من هنا لا يبدو الخلل اللغوي عارضًا، بل جزءًا من بنية كاملة تقوم على التسرع والاستهانة بالعقل.

في هذا السياق، يصبح المشاهد شريكًا سلبيًا في العرض، متلقيًا للبكاء لا للفكرة، متورطًا في التعاطف لا في الوعي. ومع تكرار هذا النمط، يُعاد تشكيل الذائقة العامة على قبول هذا المستوى، بل واعتباره الشكل الطبيعي للإعلام الاجتماعي. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن الضرر لا يتوقف عند برنامج بعينه، بل يمتد إلى ما يُنتظر من الإعلام ككل.

من هنا تأتي عبارة «الطمّوا معنا» بوصفها توصيفًا ساخرًا، لا إهانة. هي انعكاس لما يقدمه البرنامج من لطم مهني على مستوى الفكرة، ولطم لغوي على مستوى التعبير، ولطم على مفهوم الإعلام ذاته. حين يغيب الاسكريبت، وتُهمش اللغة، ويُستبدل التحليل بالانفعال، يصبح هذا الوصف أقرب إلى التشخيص منه إلى السخرية.

المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والقائمون على قناة صدى البلد، وعلى رأسهم محمد أبو العينين، أمام مسؤولية واضحة. مراجعة هذه النوعية من البرامج ليست مسألة ذوق، بل ضرورة مهنية. الإعلام ليس ساحة لاستدرار العطف، ولا بديلًا عن التفكير، ولا منصة لتدوير المآسي دون فهم.

ونناشد فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي التدخل للوقف الفوري لهذه النوعية من البرامج، حفاظًا على صورة مصر وكرامة مجتمعها، ومنعًا لتعميم صورة مشوهة عن الواقع المصري. فالإعلام الذي يعري المجتمع ويختزل الإنسان في دموعه لا يخدم سوى الانحدار الفكري والثقافي، ويهدد منظومة القيم التي نسعى للحفاظ عليها.

في الخلاصة، «تفاصيل» ليس برنامجًا اجتماعيًا بقدر ما هو عرض انفعالي متكرر. لا يضيف معرفة، ولا يبني وعيًا، ولا يطرح أسئلة حقيقية. وإذا كان هذا هو النموذج الرائج، فالمشكلة أوسع من برنامج واحد؛ إنها أزمة رؤية، تُقاس فيها القيمة بما يُستدر من دموع، لا بما يُنتج من فهم.