الثلاثاء 28 يوليو 2026 01:09 صـ 11 صفر 1448 هـ
موقع البيان نيوز
المدير التنفيذي أميرة الزيات الإشراف العام أحمد حمدي رئيس التحرير محمد أبو العزم
×

مصطفى صلاح يكتب:التعليم المفتوح.. لا يموتُ ظالمٌ في الدنيا حتى ينتقمَ اللهُ منه

السبت 25 يوليو 2026 04:55 صـ 9 صفر 1448 هـ
مصطفى صلاح يكتب:التعليم المفتوح.. لا يموتُ ظالمٌ في الدنيا حتى ينتقمَ اللهُ منه

ليس كل ظلم يُردُّ في اللحظة نفسها، وليس كل حق يُستردُّ سريعًا، لكن التاريخ يعلمنا أن الظلم لا يدوم، وأن دعوة المظلوم لا يحجبها باب، ولا يعترض طريقها منصب، ولا يقف أمامها نفوذ.

قد يطول الانتظار، وقد تشتد المعاناة، لكن العدل يظل غاية يسعى إليها الناس، وتبقى العدالة قيمة لا تستقيم حياة الأوطان إلا بها.

وليس المقصود من هذا العنوان توجيه الاتهام إلى شخص بعينه، ولا إصدار حكم على أحد، وإنما استحضار معنى إنساني وأخلاقي ثابت، مؤداه أن الظلم، أيًا كان مصدره، لا يدوم، وأن الحقوق مهما طال انتظارها تظل تطلب العدل والإنصاف.

ومن هذا المنطلق، يأتي الحديث عن معاناة طلاب التعليم المفتوح، بوصفها قضية إنسانية وقانونية تتطلع إلى حل عادل يحفظ الحقوق ويبدد سنوات الانتظار.

ولعل ما يعيشه كثير من طلاب التعليم المفتوح يمثل، في نظرهم، واحدة من أكثر القضايا إيلامًا، سنوات من الدراسة، وأموال أنفقتها أسر بسطاء، وأحلام عُلقت على شهادة جامعية تفتح أبواب العمل، ثم وجد أصحابها أنفسهم في دوامة من الإجراءات والخلافات والانتظار الطويل، بينما تمضي أعمارهم بلا يقين.

إن القضية لم تعد مجرد ملف إداري، بل تحولت إلى معاناة إنسانية يعيشها آلاف المواطنين. فكل طالب التحق بهذا النظام كان يؤمن بأنه يسلك طريقًا مشروعًا لتحسين مستقبله، وأن الدولة التي فتحت له باب التعليم لن تغلق في وجهه باب الأمل.

وعندما يلجأ المواطن إلى القضاء، فإنه يفعل ذلك إيمانًا بأن القانون هو الفيصل، وأن العدالة هي الملاذ الأخير. ولذلك فإن أي تأخير في إنهاء القضايا المرتبطة بحقوق الناس يترك أثرًا نفسيًا عميقًا، ويزيد شعورهم بالقلق على مستقبلهم.

ولا أحد ينكر أن إدارة ملفات التعليم العالي معقدة، لكن تعقيدها لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لاستمرار معاناة أصحاب الحقوق. فالإدارة الناجحة هي التي تواجه الأزمات بقرارات واضحة، وخطط معلنة، وحلول عملية، لا بترك الملفات معلقة لسنوات.

إن آلاف الأسر المصرية لا تنتظر كلمات تطمئنها بقدر ما تنتظر أفعالًا تعيد إليها الثقة. فالطالب الذي اجتهد، والأسرة التي تحملت نفقات التعليم، يستحقان أن يعرفا إلى أين تسير الأمور، ومتى تُحسم هذه الأزمة بما يتفق مع القانون ويحفظ الحقوق.

والحديث عن هذه القضية ليس دعوة إلى خصومة مع أحد، ولا رغبة في تصعيد، وإنما هو دفاع عن قيمة العدالة. فالدول القوية لا تخشى مواجهة الأخطاء، بل تعالجها، وتراجع قراراتها متى اقتضت المصلحة العامة ذلك، لأن قوة الدولة تُقاس بقدرتها على إنصاف مواطنيها.

وليعلم كل من يتولى مسؤولية عامة أن المنصب زائل، أما أثر القرار فيبقى. وأن رضا الناس لا يُشترى بالشعارات، وإنما يتحقق عندما يشعر المواطن أن حقه مصان، وأن القانون يطبق على الجميع، وأن العدالة ليست وعدًا مؤجلًا.

لقد أثبتت الأيام أن الظلم، أيًا كان مصدره، لا يصنع استقرارًا، وأن الحقوق المؤجلة تظل تنادي أصحاب القرار حتى تجد من ينصفها. وما من مظلوم إلا ويرجو أن يرى اليوم الذي تعود فيه إليه كرامته، ويشعر فيه أن سنوات الانتظار لم تذهب هباءً.

إن طلاب التعليم المفتوح لا يطلبون امتيازًا فوق القانون، وإنما يطلبون أن تُحسم أوضاعهم وفق القانون، وأن تُغلق هذه الصفحة المؤلمة بحلول عادلة وواضحة. فهذا هو الطريق الذي يحفظ هيبة المؤسسات، ويعزز الثقة في الدولة، ويؤكد أن العدالة ليست شعارًا، بل ممارسة يلمسها المواطن في حياته.

ويبقى اليقين أن الظلم لا يدوم، وأن الحقوق قد تتأخر لكنها لا تموت، وأن العدل هو الركيزة التي تبقى بها الأوطان قوية، ويطمئن بها الناس على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم.

إن أصعب ما يواجه الإنسان ليس فقط ضياع فرصة أو تأخر قرار، وإنما أن يشعر بأن صوته لا يصل، وأن معاناته لا تجد من يستمع إليها. فطلاب التعليم المفتوح ليسوا أرقامًا في ملفات، بل أصحاب قصص وأحلام وطموحات، لكل واحد منهم رحلة طويلة من التعب والكفاح. بعضهم عاد إلى مقاعد الدراسة بعد سنوات من الانقطاع، وبعضهم تحدى ظروفًا اجتماعية واقتصادية صعبة، وكلهم كانوا يؤمنون بأن العلم هو الطريق الأقصر لبناء مستقبل أفضل. ولذلك فإن إنهاء هذه الأزمة لا يمثل حلًا لمشكلة إدارية فقط، بل هو إنصاف لإنسان بذل عمره وجهده من أجل فرصة يستحقها. فكل قرار يُتخذ في هذا الملف يجب أن يضع الإنسان في المقام الأول، لأن التعليم في جوهره رسالة قبل أن يكون نظامًا أو لائحة، والغاية منه دائمًا أن يفتح أبواب الأمل لا أن يزيد مساحات الانتظار.

ويبقى فوق كل صوتٍ صوتُ الحق، وفوق كل منصبٍ ومنزلةٍ حكمُ الله الذي لا يزول. فالأيام تتبدل، والوجوه تتغير، والمواقع مهما علت فهي إلى زوال، ولا يبقى إلا أثر الإنسان وما قدّمه من عدل أو ظلم. وفي لحظات الحساب يقف الجميع أمام الحقيقة الكبرى التي لا يملك أحدٌ الفرار منها: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. عندها تسقط كل الحواجز، ويعلم الإنسان أن القوة الحقيقية ليست في سلطة أو قرار، وإنما في إنصاف المظلوم، وحفظ حقوق الناس، وترك أثر طيب يشهد له لا عليه. فرب كلمة أوجعت قلب إنسان، ورب قرار أثقل حياة أسرة، ورب حق تأخر صاحبه كثيرًا لكنه لم يغب عن عدل الله. ويبقى الأمل أن يأتي اليوم الذي يبتسم فيه أصحاب هذا الحلم بعد طول انتظار، وأن تتحول سنوات الألم إلى ذكرى، لأن العدل في النهاية هو الطريق الذي لا يضيع، ولأن الله لا ينسى دمعة مظلوم ولا صبر إنسان طال انتظاره.