الثلاثاء 28 يوليو 2026 01:09 صـ 11 صفر 1448 هـ
موقع البيان نيوز
المدير التنفيذي أميرة الزيات الإشراف العام أحمد حمدي رئيس التحرير محمد أبو العزم
×

مصطفى صلاح يكتب: إلهام شاهين.. امرأة من طين مصر

الإثنين 27 يوليو 2026 06:14 صـ 11 صفر 1448 هـ
الكاتب الصحفي مصطفى صلاح
الكاتب الصحفي مصطفى صلاح

هناك أوطانٌ تُحرس بالمدافع، وأوطانٌ تُحرس بالكلمات. هناك حدودٌ يقف عليها الجندي، وحدودٌ أخرى يقف عليها الفنان، لا يحمل بندقية، وإنما يحمل ضميرًا، ولا يرتدي خوذةً، وإنما يرتدي شجاعة الكلمة. فإذا سقطت الحدود الأولى، ضاعت الأرض، وإذا سقطت الثانية، ضاع الوعي، وإذا ضاع الوعي، صار الخراب أكثر قدرةً على الدخول من أي باب.

ولذلك لم يكن الفن في مصر يومًا زينةً تُعلَّق على جدار الحياة، ولا ترفًا يملأ ساعات الفراغ. كان الفن، منذ أن صدح صوت سيد درويش، ومنذ أن أضاءت خشبات المسرح، ومنذ أن تحولت السينما إلى ذاكرة شعب، أحد أعمدة الشخصية المصرية، وأحد الحراس الذين يذودون عن روح الوطن، كلما حاول الظلام أن يطفئ مصباحًا، أو يحاصر حلمًا، أو يصادر ابتسامة.

ومن هذا المعنى يمكن قراءة تجربة إلهام شاهين. ليست الحكاية حكاية ممثلة حققت نجاحًا، ولا نجمةٍ حصدت الجوائز، وإنما حكاية فنانة رأت أن الشهرة بلا موقف لا تصنع تاريخًا، وأن التصفيق يذوب مع الزمن، أما الموقف الصادق فيبقى، لأنه يُكتب في ذاكرة الناس قبل أن يُكتب في صفحات الجرائد.

حين عصفت بمصر سنوات القلق، وارتفعت أصوات أرادت أن تضيق على الفن، وأن تنظر إلى الإبداع بعين الريبة، كانت إلهام شاهين من الفنانات اللاتي أعلنَّ رفضهن لذلك الطريق. تحدثت بصراحة عن مخاوفها من تأثير الفكر المتشدد على الثقافة والفنون، ودافعت عن حرية الإبداع، معتبرة أن الفن ليس خصمًا للدين، وإنما خصمٌ للجهل، وأن الحضارة المصرية لا يمكن أن تُختزل في رؤية تضيق بما وسعته قرون من التاريخ.

ولم يكن ذلك الموقف بلا ثمن. فقد تعرضت لانتقادات حادة، وهجوم إعلامي، وحملات تشكيك، لكنها لم تُبدل كلماتها بما يرضي العاصفة. وربما كان في إمكانها أن تختار الصمت، فالصمت أحيانًا أكثر راحة، لكنه ليس دائمًا أكثر شرفًا. ولهذا بقيت على ما أعلنت عنه، لأنها كانت ترى أن الفنان، إذا خاف على صورته أكثر من خوفه على وطنه، فقد خسر رسالته قبل أن يخسر جمهوره.

ثم جاءت لحظة الثلاثين من يونيو، اللحظة التي رآها ملايين المصريين فاصلة في تاريخ الدولة. أعلنت إلهام شاهين تأييدها لما اعتبرته تعبيرًا عن إرادة شعبية للحفاظ على مؤسسات الدولة المصرية واستقرارها. لم تتحدث باعتبارها سياسية، ولم تدّع امتلاك الحقيقة المطلقة، لكنها تحدثت باعتبارها مواطنة وفنانة رأت أن من حقها أن تقول ما تؤمن به، وأن تتحمل مسؤولية هذا القول.

ولأنها أدركت قيمة القوة الناعمة، لم تتوقف عن الدفاع عن الفن المصري. كانت ترى أن الفيلم ليس مجرد ساعتين أمام شاشة، وأن المسرحية ليست ليلة تنتهي بإسدال الستار، وأن المسلسل ليس حكاية تُنسى بانتهاء الحلقة الأخيرة. كانت تؤمن بأن الفن يصنع وجدان الأجيال، ويقاوم التطرف، ويزرع التسامح، ويحفظ ملامح الهوية المصرية من الذوبان. فالأمم لا تعيش بالاقتصاد وحده، ولا بالقوة العسكرية وحدها، وإنما تعيش أيضًا بما تملكه من ثقافة وفكر وإبداع.

الفنان الوطني ليس بالضرورة من يرتدي ثوب السياسة، ولا من يكثر من الشعارات والخطب، وإنما هو ذلك الذي يجعل من فنه رسالة تُضيء العقول، وتُهذب الوجدان، وتغرس في الناس قيمة أو فضيلة أو أملًا. فكل عمل فني يواجه الجهل، أو يحارب التطرف، أو ينتصر للمرأة، أو يدعو إلى احترام القانون، أو يعزز قيم الانتماء والتسامح، هو في جوهره عمل وطني، لأنه يسهم في بناء الإنسان، وبناء الإنسان هو أعظم استثمار في بناء الأوطان. لذلك، فإن الفنان الذي يختار الأدوار الهادفة، ويؤمن بأن الفن مسؤولية قبل أن يكون شهرة، لا يخدم نفسه وحدها، بل يخدم وطنه أيضًا. فالقوة الناعمة ليست مصطلحًا سياسيًا، بل هي القدرة على صناعة الوعي، وحماية الهوية، وتقديم صورة مشرقة للمجتمع. ومن هنا، يصبح الفن الصادق شريكًا في التنمية، وسندًا للدولة في معركة الوعي، لأن الكلمة المخلصة قد تهزم فكرة متطرفة، والمشهد الصادق قد يوقظ ضميرًا غافلًا، والعمل الفني الهادف قد يترك في النفوس أثرًا يبقى سنوات طويلة بعد أن تُغلق شاشات العرض.

ولذلك، فإن الدفاع عن الفنانين، في نظرها، لم يكن دفاعًا عن فئة بعينها، بل عن أحد خطوط الدفاع عن مصر نفسها. لأن الدولة التي تفقد فنها، تفقد شيئًا من ذاكرتها، والدولة التي يخفت فيها صوت الإبداع، تفسح المجال لكل صوت يريد أن يملأ الفراغ بالخوف والكراهية والانغلاق.

وعلى امتداد مسيرتها، لم تركن إلهام شاهين إلى نجاح قديم، ولم تجعل من تاريخها الفني وسادة تستريح عليها. تنقلت بين أدوار مختلفة، وبحثت عن شخصيات تحمل أسئلة المجتمع، وشاركت في أعمال ناقشت قضايا المرأة، والتطرف، والفساد، والتحولات الاجتماعية، إيمانًا منها بأن الفن الحقيقي لا يهرب من الواقع، بل يقترب منه، ويحاوره، ويكشف جراحه، ويبحث عن ضوء في آخر الطريق.

قد يتفق الناس مع آرائها، وقد يختلفون، وذلك حق تكفله طبيعة الحياة العامة. لكن الثابت أنها لم تُعرف بأنها غابت عن لحظات رأت أنها تمس مستقبل وطنها. اختارت أن تتكلم حين فضل آخرون الصمت، وأن تعلن موقفها وهي تدرك أن الطريق لن يكون مفروشًا بالورود.

إن الوطنية ليست بيانًا يُقرأ، ولا صورة تُلتقط، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات. الوطنية امتحان عسير، لا يأتي في أوقات الرخاء، وإنما في ساعات القلق، حين يصبح للموقف ثمن، وللكلمة حساب. عندها فقط يُعرف من يتحدث طلبًا للتصفيق، ومن يتحدث لأنه يؤمن بما يقول.

لهذا، فإن قيمة إلهام شاهين، في نظر كثيرين، لا تتوقف عند رصيدها الفني وحده، بل تمتد إلى كونها واحدة من الأصوات التي أعلنت مواقفها في أوقات كانت المواقف فيها مكلفة. والتاريخ، في نهاية المطاف، لا يحفظ عدد الأفلام بقدر ما يحفظ أثر أصحابها، ولا يتذكر حجم الإيرادات بقدر ما يتذكر من اختاروا أن يقفوا حيث أملى عليهم ضميرهم.

ستبقى مصر أكبر من الجميع؛ أكبر من خلافات السياسة، وأبقى من صخب اللحظة. وسيظل الفن أحد أنهارها الخالدة، يسقي الوجدان، ويحرس الهوية، ويقول للأجيال إن هذا الوطن لم يصنع مجده بالسيف وحده، بل صنعه أيضًا بالكلمة، واللحن، واللوحة، والمسرح، والسينما. ومن هنا، تصبح حكاية إلهام شاهين، بالنسبة إلى محبيها، أكثر من سيرة فنانة؛ إنها حكاية إيمان بأن الوطن لا يُساوَم، وأن الكلمة الصادقة قد تكون، في بعض اللحظات، فعلًا من أفعال الوفاء لمصر.