الخميس 4 يونيو 2026 05:13 صـ 18 ذو الحجة 1447 هـ
موقع البيان نيوز
المدير التنفيذي أميرة الزيات الإشراف العام أحمد حمدي رئيس التحرير محمد أبو العزم
×

مصطفى صلاح يكتب: التفاهة ليست حرية.. بين الترند ومسؤولية الصحافة في مصر

الثلاثاء 30 ديسمبر 2025 10:17 مـ 10 رجب 1447 هـ
مصطفى صلاح
مصطفى صلاح

ليست القضية مجرد مقطع فيديو انتشر على شبكات التواصل، ولا فرح صاخب اجتذب المشاهدات، ولا تطبيق رقمي اسمه «تيك توك» خرج عن السيطرة.

ما نراه اليوم ليس حدثًا عابرًا، بل هو انعكاس لأزمة أعمق في العلاقة بين الإنسان المصري ذاته وهويته ومجتمعه، أزمة تكشف اختلال الميزان بين ما هو خاص وما هو عام، بين ما يُعاش وما يُعرض، وبين ما يُحتمل داخل المجتمع وما يُصدَّر خارجه باسم تمثيل الوطن.

الفرح، في ذاكرة المصريين، لم يكن مجرد احتفال، بل طقس اجتماعي متوازن، لحظة تنفيس يلتزم بضوابط غير مكتوبة، تحكمها الحساسيات الجماعية تجاه السمعة والستر والحياء. أما اليوم، فإن الفرح يتحول إلى عرض للمشاهد، مسرح للابتذال، يصور كل تصرف عابر على أنه معيار للهوية المصرية، ويحوّل التجربة الإنسانية إلى مادة للتسويق والترند، وكأن قيمة مصر تختزل في ضحكة أو لايف عابر.

التيك توك ليس سبب الأزمة، بل أداة كشفت ما كان خفيًا، وسرّعت ما كان بطيئًا، وعرّت ما كان مستورًا. إنه فضاء بلا معايير، يمنح الصوت الأعلى لا الفكرة الأعمق، والغريب لا الجاد، والغضب اللحظي لا الحكمة المستقرة.

هنا تتحول الحرية من قيمة إنسانية إلى فوضى سلوكية، ويصبح التعبير عن الذات غاية في ذاته لا وسيلة لبناء معنى أو تقديم تجربة حقيقية. الشهرة بلا محتوى والاستعراض بدل الإنجاز أصبحا نموذجًا بديلاً لما يُحتفى به، بينما يذوب الجاد في هامش المشهد.

الخطر الحقيقي يكمن في غياب المناعة الثقافية. المجتمعات القوية ثقافيًا تمتص الصدمات الرقمية، وتهذب الفوضى، وتعيد ترتيب الانحرافات، أما المجتمعات الهشة فكأن أدواتها الرقمية تتحول إلى معاول هدم، فيُستبدل التقدير بالضجيج، والاعتراف بالمرض النفسي بوهم البطولة. وما نراه هو بعض الأفراد ممن يعانون فراغًا نفسيًا أو تشوهًا في إدراك الذات، وجدوا في هذه المنصات تعويضًا عن غياب الاعتراف الحقيقي، فصار الاستعراض بديلاً عن الإنجاز، والصوت العالي بديلاً عن القيمة.

وهكذا تتحول هشاشة الفرد إلى نموذج يُسوّق باعتباره معيارًا، ويصبح العالم الرقمي محاكاة خطيرة لعقل مجتمع مشتت.

في هذا الإطار، يكتسب موقف الكاتب الصحفي مصطفى عمار، رئيس تحرير جريدة «الوطن» أهمية كبرى. لم يكن مجرد قرار إداري، بل رؤية فكرية تعكس معنى الصحافة كسلطة عقلية وأخلاقية. حين أعلن رفض التعامل مع أخبار أفراح مشاهير السوشيال ميديا والبلوجرز، ووقف ملاحقة لايفاتهم على التيك توك، أعاد للصحافة دورها في الفرز والاختيار، ورفع شعار القيادة الفكرية بدل التبعية الإعلامية.

وأكد أن حماية الوعي الجمعي وذوق المجتمع جزء لا يتجزأ من مسؤولية الإعلام الوطني. هذا القرار وجد دعمه وتأييده من قبل مواقع الصحف والمواقع الأخرى التابعة للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التي أعلنت التزامها بعدم تغطية مثل هذه الفعاليات، ودعت بقية الصحف للانضمام إلى المبادرة، مع مطالبة نقابة الصحفيين والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بتفعيل دورهما الرقابي، لحماية المجال العام من الانحرافات الرقمية، ومنع تحويل الاستعراض والإسفاف إلى معيار ثقافي واجتماعي.
الشركة المتحدة، بهذا الموقف، لم تكتف بالالتزام بالمهنية، بل أرست نموذجًا عمليًا لتفعيل دور الإعلام كأداة ضبط ثقافي، لتعيد ترتيب الأولويات الإعلامية، وتؤكد أن الصحافة ليست مطية للضجيج، بل سلطة عقلانية وأخلاقية تعكس قيم المجتمع وتحميها.

هذه الخطوة تمثل مواجهة للظاهرة التي تضر بكل شخص مجتهد وموهوب يسعى بالعمل والاجتهاد لتحقيق أحلامه، لا بالترندات أو اللايفات العابرة.

ما يحدث اليوم ليس مجرد ترف رقمي أو ضجيج لحظي، بل انعكاس لفقدان التوازن في العلاقة بين الفرد والمجتمع، بين الخاص والعام، بين ما يعيشه الإنسان وما يُعرَض باسم المجتمع.

حين تتغاضى الصحافة عن هذا الانحدار، فإنها لا تعكس الواقع فحسب، بل تسهم في إعادة تشكيله، وتحوّل التفاهة إلى معيار، ويهمّش الجاد، ويضعف دور الصحافة كسلطة أخلاقية وفكرية.

وهنا يظهر الدور الضروري لكل من نقابة الصحفيين والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ليس فقط كسلطات رقابية، بل كمؤسسات تحمي المجال العام من التلوث المعنوي، وتعيد ضبط ما هو جدير بالنشر وما هو ضار بالوعي الجمعي.

المطلوب ليس منع الناس من التعبير، بل منع تحويل الانحراف الفردي إلى نموذج جماعي، ومنع تقديم المرض النفسي باعتباره بطولة، ومنع تحويل الاستعراض والإسفاف إلى معيار، وتقديم صورة مصر على أنها ساحة للابتذال.

مصر ليست مجرد ما يُبث على الشاشة أو يُعرض على التطبيقات الرقمية، بل هي تراكم حضاري، تاريخ طويل من التفاعل بين المكان والإنسان، بين النيل والصحراء، بين الاستقرار والتجدد.

صورتها ليست لقطة، بل سردية ممتدة. وأي محاولة لاختزالها في مشاهد عابرة هي اعتداء على وعيها قبل أن تكون إساءة لسمعتها.

ترك هذا المستنقع يتمدد بلا مواجهة فكرية وإعلامية هو تخلٍّ عن مسؤولية بناء الإنسان، فالثقافة ليست ترفًا، بل خط دفاع أول، وحماية الوعي لا تقل أهمية عن حماية الأمن، لأن الانهيارات الكبرى تبدأ من الداخل، من التآكل البطيء في المعنى، ومن التساهل مع ما يبدو صغيرًا حتى يستفحل.

في الختام، فإن حماية مصر وشعبها من هذا الانحدار ليست دعوة أخلاقية مجردة، بل ضرورة استراتيجية. دعم كل قرار إعلامي مسؤول، مثل قرار مصطفى عمار، ودعم مبادرة الشركة المتحدة، ومساندة دور نقابة الصحفيين والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، هي خطوات في اتجاه استعادة التوازن، وإعادة الاعتبار للصحافة كسلطة أخلاقية وفكرية. حماية الذوق العام وصيانة صورة الوطن هي معركة دفاع عن المعنى، عن الإنسان، وعن المستقبل. ومصر، إن أرادت أن تحمي نفسها، فعليها أن تقول بوضوح: هذا لا يمثلنا، ولن نكون منصة له.