مصطفى صلاح يكتب: في بهاء الحكاية… تأملات في عالم مريم نعوم وسحر الكتابة التي تُنصت للإنسان
في لحظات التأمل الهادئ، حين يخفت ضجيج العالم وتستقر الأشياء في أماكنها كأنها تستعيد معناها الأول، ينهض سؤال قديم في الذاكرة: كيف تتحول الحياة إلى كتابة؟ وكيف يمكن للكلمة أن تحمل ما لا يُقال، وأن تفتح في الصمت نوافذ على ما هو أعمق من ظاهر الأشياء؟.
ليست الكتابة فعلًا تقنيًا يُمارس على الورق، بل هي حالة من الوعي تتسلل إلى الروح، فتجعل الإنسان أكثر إنصاتًا لتفاصيل كانت تمرّ من قبل دون التفات.
ومن بين الأصوات التي أعادت تعريف هذا الإنصات في الدراما المصرية المعاصرة، يبرز اسم الكاتبة مريم نعوم بوصفه تجربة خاصة، لا تعتمد على بهرجة القول، بل على كثافة الصدق، ولا تستند إلى الصراخ، بل إلى همس المعنى حين يشتد حضوره.
في عالمها الدرامي، لا تبدو الشخصيات مجرد أدوات لتحريك الحدث، بل كائنات تتنفس من الداخل، تحمل هشاشتها وقوتها في آن واحد.
ليست هناك قسمة جاهزة بين خير وشر، بل تداخل إنساني معقد، يجعل كل شخصية ابنة ظرفها، وأسيرة تجربتها، ومُحمّلة بما لا يُرى على السطح.
وهنا تحديدًا تتجلى قوة هذا النوع من الكتابة: في رفضها للتبسيط، وفي انحيازها العميق لتعقيد الإنسان.
الواقعية في هذا المنهج ليست تسجيلًا جامدًا للواقع، بل إعادة خلق له بلغة تُضيء ما اعتاد الناس تجاهله.
التفاصيل الصغيرة—كرسي مهمل في زاوية غرفة، مرآة تحمل شرخًا خفيفًا، قطعة ملابس قديمة لا تزال معلقة كأنها ترفض الرحيل—ليست زينة بصرية، بل علامات على زمن داخلي لم يُغلق بعد. الزمن هنا ليس تقويمًا، بل إحساس ممتد في الذاكرة.
ثم يأتي الصراع الداخلي، ذلك النهر الخفي الذي تتحرك فيه الشخصيات دون أن تراه العيون مباشرة. ليس الصراع في ما يحدث بين الناس فقط، بل في ما يحدث داخل النفس وهي تواجه اختياراتها، مخاوفها، وندمها الصامت. امرأة تحاول أن تحمي ابنتها، لكنها تكتشف أن الحماية قد تتحول إلى قيد. وأخرى تحاول أن تهرب من ماضيها، لكنها تكتشف أن الهروب نفسه شكل من أشكال البقاء في الماضي.
في هذا البناء الدرامي، يصبح الحوار امتدادًا طبيعيًا للحياة، لا زينة لغوية ولا وسيلة شرح. الجملة القصيرة قد تحمل ثقل عمر كامل، والصمت قد يكون أبلغ من أي اعتراف. إن ما لا يُقال في كثير من الأحيان هو ما يحدد اتجاه المشهد، ويمنحه عمقه الحقيقي. وهنا تتجلى مهارة الكتابة حين تتحول إلى فن الإصغاء لما بين الكلمات، لا لما يُقال فقط.
ولعل من أعمق ما يميز هذا العالم الدرامي هو ذلك التعاطف الإنساني الذي يحيط بالشخصيات دون أحكام مسبقة. لا أحد يُقدَّم بوصفه نموذجًا مكتملًا للخير أو الشر، بل بوصفه كائنًا يعيش داخل شبكة من الظروف والتجارب التي صنعت ملامحه. هذا التعاطف لا يعني التبرير، بل الفهم. والفهم هنا هو أعلى درجات الكتابة نضجًا، لأنه يعيد للإنسان حقه في أن يكون معقدًا، متناقضًا، وممكن الخطأ.
في هذا السياق، لا تبدو الكتابة مجرد حرفة، بل رؤية للعالم. رؤية تعتبر أن الحقيقة لا تُقال دفعة واحدة، بل تتكشف تدريجيًا، وأن الإنسان لا يُختزل في موقف، بل يُقرأ عبر مساره الكامل. ومن هنا تأتي أهمية هذا النوع من الدراما، التي لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تحفر في طبقاتها الداخلية.
وإذا كانت المدارس الدرامية تتعدد في أشكالها ومرجعياتها، فإن ما يلفت الانتباه في تجربة مريم نعوم هو قدرتها على جعل البساطة مدخلًا إلى العمق، لا نقيضًا له. فكلما بدا المشهد بسيطًا، كان في داخله أكثر كثافة، وكلما اقتربت اللغة من العادي، انفتحت على غير العادي في الدلالة والإحساس.
وليس من المبالغة القول إن هذا النوع من الكتابة يفرض على المتلقي أن يكون شريكًا، لا متفرجًا. فالمعنى لا يُقدَّم جاهزًا، بل يُستخرج من التفاعل مع التفاصيل، ومن إعادة قراءة ما يبدو واضحًا. وهنا تتحول الدراما إلى مساحة تفكير، لا مجرد ترفيه.
إن الإعجاب بهذا العالم الكتابي لا ينبع من لحظة انبهار عابر، بل من إدراك عميق لطريقة مختلفة في النظر إلى الإنسان. طريقة ترى أن الألم ليس حدثًا طارئًا، بل جزءًا من تكوين التجربة، وأن الفرح لا يأتي دائمًا صافيًا، بل ممزوجًا بما سبقه وما سيليه.
ومن هنا، فإن الرغبة في تعلم كتابة السيناريو والحوار في هذا السياق ليست مجرد طموح مهني، بل بحث عن لغة لفهم الذات والعالم. إنها محاولة للوقوف عند تخوم التجربة، ومحاولة الإصغاء لما لم يُقل بعد. وفي هذا الإطار أعلنها صراحة وواضحًا دون مواربة: إنني أريد أن أتعلم كتابة السيناريو والحوار على أيدي الكاتبة مريم نعوم، إيمانًا بأن الاقتراب من هذا العالم ليس تقليدًا، بل تعلّم لرؤية أعمق للإنسان وللحكاية.
في النهاية، تبقى الكتابة الحقيقية هي تلك التي لا تكتفي بأن تحكي، بل تلك التي تُعيد ترتيب علاقتنا بما نعتبره مألوفًا. وحين تنجح في ذلك، فإنها لا تقدم قصة فقط، بل تترك أثرًا يشبه الصمت بعد انتهاء الموسيقى… صمتًا ممتلئًا بالمعنى، لا خاليًا منه.
