الخميس 4 يونيو 2026 01:49 صـ 17 ذو الحجة 1447 هـ
موقع البيان نيوز
المدير التنفيذي أميرة الزيات الإشراف العام أحمد حمدي رئيس التحرير محمد أبو العزم
×

مصطفى صلاح يكتب: دفاتر الوطن في زمن الحرب الصامتة

الإثنين 5 يناير 2026 11:46 مـ 16 رجب 1447 هـ
الكاتب مصطفى صلاح
الكاتب مصطفى صلاح

كأن الوطن، في هذه اللحظة الفاصلة من تاريخه الطويل، قد فتح أحد دفاتره القديمة، تلك التي لا تُقرأ إلا عند اشتداد الخطر، ولا تُستدعى إلا حين تختلط الأصوات وتتشابك الطرق. العالم من حولنا لا يضجّ بضجيج المدافع كما كان يفعل قديمًا، لكنه يموج بصراع أشد فتكًا، صراع بلا دخان، بلا صراخ، بلا جثث في الشوارع، لكنه مع ذلك لا يقل قسوة ولا خطرًا. حرب خفية، تتسلل إلى العقول قبل الحدود، وتفتك بالوعي قبل أن تمسّ الأرض.

ليست هذه حرب الجيوش المتقابلة، ولا حرب الخنادق والأسلاك الشائكة، بل حرب تتبدّل وجوهها كل يوم. مرة في ثوب اقتصادٍ مختنق، ومرة في هيئة إعلامٍ مرتبك، ومرة في صورة فوضى فكرية تزرع الشك في كل شيء: في الدولة، في المؤسسات، في التاريخ، وفي فكرة الوطن ذاتها. كأن الهدف لم يعد إسقاط الجدران، بل إفراغ المعنى من داخلها.

في مثل هذا المشهد، تبدو الدول الضعيفة كبيوت طينية في مهبّ عاصفة لا ترحم. لا تُكسر لأنها فقيرة فقط، بل لأنها فاقدة للتماسك، لأن شقوقها الداخلية أوسع من حدودها الخارجية. أما الدول التي تعرف نفسها، وتدرك ثقل موقعها، فلا تُستدرج بسهولة، ولا تسقط من أول ارتباك.

مصر، على امتداد تاريخها، لم تكن يومًا دولة تعيش على هامش الجغرافيا. كانت دائمًا في القلب، في موضع النظر والرهان والطمع. موقعها جعلها شاهدة على العصور، وجعل العصور بدورها شاهدة عليها. وكل من مرّ من هنا، مرّ وهو يعلم أن هذه الأرض لا تُؤخذ دفعة واحدة، بل تُستنزف إن أُريد كسرها.

لهذا، يصبح الوعي في مثل هذه اللحظات ضرورة لا شعارًا، وبصيرة لا ترفًا. الوعي الذي يرى المشهد كاملًا، لا من ثقب ضيق اسمه المعيشة فقط، ولا من نافذة مغلقة اسمها الغضب. فالأزمات لا تولد فجأة، ولا تنفصل عن عالم يموج بالاضطراب، تتصارع فيه القوى الكبرى على النفوذ، والطاقة، والغذاء، والممرات، وتُعاد فيه كتابة الخرائط بصمت.

الحديث عن الداخل بمعزل عن الخارج نوع من العمى السياسي. فاللقمة التي تضيق اليوم، تضيق في عالم كامل، لا في دولة واحدة. والأسعار التي تثقل كاهل الناس، تثقل شعوبًا بأكملها، بعضها سقط، وبعضها يتداعى، وبعضها ما زال يقاوم. والفرق هنا ليس في المعاناة، بل في القدرة على الاحتمال، وفي وجود دولة ما زالت تمسك بالخيط، وتمنع السقوط الحر.

الإعلام، في هذا السياق، يتحول إلى مرآة خطرة. مرآة قد تعكس الحقيقة كاملة، وقد تشوّهها، وقد تكسرها إلى شظايا. إعلام يُعمّق الفهم، ويشرح السياق، ويضع المواطن أمام الصورة الكاملة، فيصنع وعيًا، وإعلام آخر يقتات على الصخب، ويستثمر الألم، ويحوّل الشكوى إلى عقيدة، والغضب إلى برنامج. هذا الأخير لا يداوي جرحًا، بل يوسّعه، ولا ينقذ وطنًا، بل يتركه مكشوفًا.

ومع ذلك، فإن الدولة التي تحترم نفسها لا تنكر أوجاع ناسها، ولا تتعامل مع معاناتهم باعتبارها تفصيلًا هامشيًا. لكنها، في الوقت ذاته، تدرك أن إدارة الألم أحيانًا أهم من الوعد بزواله السريع. فالدولة ليست جمعية خيرية، ولا خطبة عاطفية، بل كيان معقّد، يسير على حبل مشدود بين الأمن والتنمية، وبين الصمود والإصلاح.

الجيش، في هذه اللحظة، لا يظهر بوصفه قوة قتالية فقط، بل باعتباره آخر جدار صلب في مواجهة الفوضى. جدار لا يُرى دائمًا، لكنه موجود، يحفظ التوازن، ويمنع الانفلات، ويذكّر الجميع بأن الدولة ما زالت قائمة، وأن فكرة الوطن لم تسقط بعد. والاصطفاف خلفه ليس هتافًا، بل إدراك بأن انهيار الدول يبدأ دائمًا من داخلها، حين تفقد الثقة في أعمدتها الأساسية.

قد تكون الحياة شاقة، وقد تثقل الأيام على الناس، لكن الشقاء عابر، أما ضياع الدولة فنهائي. يمكن للأمم أن تتحمل الغلاء، وأن تعبر الضيق، وأن تصبر على القسوة، لكنها لا تنجو إذا تخلّت عن وعيها، ولا تقوم إذا انشغلت بالصراخ ونسيت النظر إلى الخريطة.

هكذا تُكتب دفاتر الوطن في اللحظات الصعبة: بالحذر، وبالصبر، وبفهم أن الحروب لم تعد تُعلن، وأن النجاة لم تعد في القوة وحدها، بل في الوعي الذي يرى الخطر قبل أن يصل، ويعرف أن الوطن، حين يُصاب في وعيه، يصبح بلا حصانة، مهما بلغت صلابته.