الخميس 4 يونيو 2026 02:31 صـ 17 ذو الحجة 1447 هـ
موقع البيان نيوز
المدير التنفيذي أميرة الزيات الإشراف العام أحمد حمدي رئيس التحرير محمد أبو العزم
×

مصطفى صلاح يكتب: اللواء حسن رشاد يقود معادلة القاهرة.. مصر تمسك بخيوط أخطر ملفات التفاوض في المنطقة

الأربعاء 8 أبريل 2026 03:53 مـ 20 شوال 1447 هـ
الكاتب الصحفي مصطفى صلاح
الكاتب الصحفي مصطفى صلاح

في لحظاتٍ فارقة من التاريخ، لا تُقاس الأدوار بما يُعلن، بل بما يُنجز في صمت، ولا تُوزن المواقف بما يُقال في العلن، بل بما يتحقق خلف الأبواب المغلقة، حيث تُدار المعارك الحقيقية بعيدًا عن ضجيج الكاميرات. ومن بين هذه اللحظات، تبرز شهادة الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد حول الدور المصري في مسارات التفاوض، لا باعتبارها مجرد تصريح عابر، بل باعتبارها انعكاسًا لحقيقة أعمق، مفادها أن مصر لا تزال لاعبًا مركزيًا يمتلك القدرة على التأثير في أكثر الملفات تعقيدًا وتشابكًا.

وكما يُقال في المأثور: “الحق ما شهدت به الأعداء”، فإن هذه الشهادة تحمل في طياتها دلالة تتجاوز حدود الكلمات، لتؤكد أن ما تقوم به مصر خلف الكواليس أصبح واقعًا لا يمكن تجاهله، حتى من قبل من يقفون على الجانب الآخر من المعادلة. إنها شهادة تخرج من خارج السياق التقليدي، لكنها تصيب جوهر الحقيقة، وتكشف عن عمق الدور الذي تلعبه القاهرة في إدارة التوازنات الدقيقة.

وفي قلب هذا المشهد المعقد، يبرز اسم اللواء حسن رشاد، بوصفه أحد العقول التي تدير هذا النوع من الملفات الحساسة، حيث تتقاطع السياسة بالأمن، وتتشابك المصالح بالرهانات الكبرى. رجل يعمل في صمت، بعيدًا عن الأضواء، لكنه يقف في موقع يتطلب قدرًا استثنائيًا من الحنكة، والقدرة على قراءة المشهد بكل تفاصيله، من الظاهر إلى الخفي.

إن جهاز المخابرات العامة المصرية، الذي يتحرك ضمنه هذا الدور القيادي، ليس مجرد مؤسسة تقليدية، بل منظومة متكاملة تجمع بين الرصد والتحليل، وبين بناء الثقة وإدارة التفاوض. وعلى مدار سنوات طويلة، استطاع هذا الجهاز أن يثبت أنه يمتلك مفاتيح الوصول إلى دوائر مغلقة، والتعامل مع أطراف بالغة التعقيد، في وقت تعجز فيه قوى أخرى عن تحقيق أي اختراق يُذكر.

وحين يُشار إلى قدرة مصر على الوصول إلى أطراف مثل الحرس الثوري الإيراني، فإن الحديث لا يكون عن صدفة، بل عن تراكم خبرات طويلة، ومنهج عمل يقوم على الصبر، والدقة، وبناء قنوات اتصال تقوم على الثقة المتبادلة، حتى في أكثر الظروف توترًا. وهنا تحديدًا تتجلى قيمة الإدارة الهادئة، التي لا تنجرف وراء الضجيج، بل تركز على النتائج، وتدرك أن لكل خطوة توقيتها المناسب.

في سياق تتشابك فيه المصالح، وتتصادم فيه الإرادات، يصبح امتلاك قنوات اتصال فاعلة إنجازًا في حد ذاته، لكن الأهم هو القدرة على إدارة هذه القنوات بذكاء، وتحويلها إلى أدوات لصناعة التوازن، ومنع الانفجار، وفتح مسارات للحلول. وهذا ما نجحت فيه مصر، ليس فقط باعتبارها وسيطًا، بل كطرف يمتلك رؤية واضحة، وقدرة حقيقية على التأثير في مجريات الأحداث.

ولعل ما يميز الأداء المصري في هذا الإطار هو تلك القدرة الفريدة على الجمع بين الصلابة والمرونة، بين الحزم والحكمة، بين التمسك بالثوابت والانفتاح على الحلول الممكنة. وهي معادلة دقيقة لا تُدار بالشعارات، بل بالعقول التي تدرك طبيعة اللحظة، وتفهم متى تتقدم، ومتى تنتظر، ومتى تلتقط الفرصة لصناعة الفارق.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور الذي يلعبه اللواء حسن رشاد، باعتباره نموذجًا لرجال الظل الذين يديرون معارك من نوع مختلف، لا تُستخدم فيها القوة الصلبة، بل تُحسم بالكلمة الدقيقة، والمعلومة في توقيتها، والقدرة على استباق الأحداث. إنها معركة العقول، التي تثبت أن التفكير الهادئ يمكنه أن يحقق ما تعجز عنه الضوضاء والانفعالات.

لقد أصبحت مصر، عبر هذا النهج، قادرة على أن تكون الجسر حين تنقطع الطرق، والعقل حين يغيب الاتزان، والوسيط الذي يُوثق به في لحظات الشك. وهذا الدور لم يأتِ من فراغ، بل من تاريخ طويل من الانخراط في قضايا الإقليم، ومن إدراك عميق بأن استقرار المنطقة ليس خيارًا، بل ضرورة تمس صميم الأمن القومي.

إن ما يتحقق اليوم يُضاف إلى سجل ممتد من الأدوار التي لعبتها مصر على مدار عقود، حيث لم تكن يومًا دولة هامشية، بل كانت دائمًا في قلب الأحداث، تتحرك بحذر، وتتصرف بحكمة، وتدرك أن الفعل الحقيقي لا يحتاج إلى صخب، بل إلى وعي وقدرة على إدارة اللحظة.

وتبقى شهادة باراك رافيد، مهما اختلفت قراءتها، علامة فارقة تُذكّر بأن هناك أدوارًا لا تُرى بالكامل، لكنها تُحس، وأن هناك رجالًا لا يظهرون في الصورة، لكنهم يصنعونها. وفي مقدمة هؤلاء، يأتي اللواء حسن رشاد، كأحد رموز هذا الأداء الهادئ، الذي يكتب فصولًا من تاريخ لا يُعلن كله، لكنه يُفرض احترامه على الجميع.

في النهاية، ليست كل البطولات تُروى، وليست كل الانتصارات تُذاع، لكن ما يبقى دائمًا هو أثر الفعل، وصدى الدور، وتلك القدرة الصامتة على صناعة الفارق في أصعب اللحظات. وهنا تحديدًا، تتجسد قيمة رجال الظل، الذين يعملون دون ضجيج، لكنهم يتركون ما يجعل حضورهم أقوى من أي صوت، وأبقى من أي خطاب.