”من ضحكة لطعنة”.. كيف تحولت صداقات الشباب إلى جرائم دم؟
في الفترات الأخيرة، تصاعدت موجة العنف بين الشباب في مصر، لتتحول الخلافات البسيطة أو المزاح العابر إلى مشاهد دموية تهز الشارع والمجتمع، لم تعد هذه الوقائع مجرد حوادث فردية، بل باتت مؤشراً مقلقاً على خلل اجتماعي وتربوي ونفسي يتفاقم داخل البيوت والجامعات والشارع المصري.

من واقعة الطفل في الإسماعيلية الذي لقي مصرعه على يد زميله، إلى شجار بين أصدقاء في أحد الأحياء الشعبية انتهى بطعنة قاتلة، وصولاً إلى عشرات الحوادث المشابهة في محافظات مختلفة، تتكرر التفاصيل المأساوية، كلمة تتحول إلى إهانة، ومزاح إلى شجار، وشجار إلى جريمة.
العيال بقت بتغلي من جوه.. آراء المواطنين تكشف الأزمة
قال محمد حسن: "الناس بقت على أعصابها، الشاب ممكن يضرب صاحبه لمجرد كلمة، مفيش صبر ولا عقل زي زمان، كله بيغلي من جوه، ومفيش حد بيفضّي الضغط اللي جواه".
وأضافت منى عبد الرحمن: "بقينا نسمع كل يوم عن جريمة بين أصحاب، أو جيران، أو حتى إخوات، بسبب تافه، العنف بقى رد الفعل الطبيعي لأي خلاف".
ويرى أحمد فوزي: "الضغوط اللي عايشينها بتخلي الواحد يتحول في ثانية، مفيش فرص للكلمة أو النقاش، الناس بتنفجر فجأة من كتر الكتمان والتعب".
وقالت المعلمة سعاد عبد الحميد: "العنف ما بقاش في المدارس بس، دا في كل بيت وشارع، الناس فقدت الإحساس بالرحمة، واللي جوه متعب بيطلع غضبه في غيره".

رأي خبير.. عندما يتحول الغضب إلى سلاح
تقول الدكتورة هالة حماد، استشارية الطب النفسي للأطفال والمراهقين بجامعة الإسكندرية: "العنف لا يولد فجأة، هو تراكم من إحباط وغضب مكبوت، الإنسان اللي بيتربى في بيئة صاخبة مليانة عنف وصراخ بيشيل جوه نار، ومع أول خلاف بتنفجر".
وتضيف استشارية الطب النفسي، الشاب اللي مش قادر يعبّر عن نفسه بالكلام، هيتكلم بالفعل، ولو الفعل دا فيه غضب ممكن يبقى مؤذي أو قاتل، لأن السيطرة على الانفعال بتضعف في لحظة الغضب".
كما تؤكد أن العنف بين الأصدقاء غالبًا ما ينشأ من لحظة انفعال قصيرة، لكنها تكون كافية لتغيير مصير حياة كاملة، إذ يدخل الفرد في ما يُعرف بـ “نوبة الغضب”، وهي حالة يفقد فيها الإنسان اتزانه العقلي مؤقتًا، فيتخذ قرارات مدمّرة دون وعي.

من المزاح إلى الجريمة.. حين ينهار جدار السيطرة
العنف لا يبدأ بجريمة، لكنه قد ينتهي إليها إذا لم يجد من يوقفه، المزاح الذي يحمل سخرية، أو كلمة تُفسَّر كإهانة، قد تفتح بابًا للغضب، والغضب في غياب السيطرة قد يتحول إلى طعنة، وإلى ندم لا يُصلح شيئًا، ويؤكد مختصون أن كثيرًا من جرائم القتل بين الأصدقاء لا تكون بنيّة مسبقة، بل نتيجة لحظة فقدان للسيطرة، يختلط فيها الغضب بالجهل بعواقب الفعل.
العنف وجه آخر للوجع
وراء كل لحظة عنف، وجع مكبوت، وحياة مليئة بالضغط والتعب، فالشباب اليوم يعيشون بين طموحات كبيرة وواقع صعب، بين أحلام معلقة وضغوط لا تنتهي، وعندما تغيب المساحة الآمنة للحوار أو التفريغ النفسي، يتحول الغضب إلى لغة جديدة للتعبير، لكنها لغة قاسية لا تعيد شيئًا بعد وقوع الكارثة.
جرس إنذار لمجتمع يغلي
ما نراه اليوم ليس مجرد مشاجرات عابرة، بل إنذار لمجتمع يختزن الغضب في صدور أبنائه، إن العنف الذي يبدأ بكلمة يمكن أن ينتهي بجريمة، والسكوت عنه هو مشاركة في استمراره، نحتاج أن نعيد بناء منظومة القيم، وأن نتعلم من جديد كيف نختلف دون أن نؤذي، كيف نغضب دون أن نكسر، وكيف نحب دون أن نؤلم، فالعنف ليس قدرًا، بل نتيجة يمكن تغييرها، إذا بدأنا من أنفسنا.













