أمـيرة الزيات تكـتب الـدراما العـربية... بيـن التـحول والضـياع
في عالم تتسارع فيه التحولات الثقافية والإعلامية، تقف الدراما العربية اليوم في مفترق طرق. فبين ماضٍ ذهبي رسم ملامح الوعي الجمعي، وحاضرٍ تتنازعه التحديات، ومستقبلٍ مفتوح على الاحتمالات، يبدو السؤال ملحًا: أين هي الدراما العربية؟ وإلى أين تمضي؟
من زمن المجد إلى لحظة الارتباك
الدراما العربية ليست وافدة على الوعي العربي، بل كانت دومًا مرآة للمجتمع، وراوية لحكايته. من "المال والبنون" و*"ليالي الحلمية"* في مصر، إلى "الزير سالم" و*"التغريبة الفلسطينية"* في سوريا، شكلت الدراما جسرًا بين الشاشة والشارع، وقنطرةً تربط بين الخاص والعام، بين الفرد ومحيطه.
لكن منذ سنوات، بدأ هذا المجد يتآكل، ليس نتيجة ضعف الموهبة أو ندرة القصص، بل بفعل عوامل متراكمة: تجارية الإنتاج، سطحية الطرح، تضييق حرية التعبير، واستسهال المعالجة. فبدلًا من أن تظل الدراما أداة نقد اجتماعي وثقافي، تحولت في بعض تجاربها إلى ترفيه خفيف، أو إلى أعمال "ترند" بلا روح.
دراما المنصات... نافذة جديدة أم فخ جديد؟
مع صعود المنصات الرقمية مثل شاهد ونتفليكس وOSN، ظن البعض أن الدراما العربية وجدت أخيرًا المنبر الذي يعفيها من قيود الرقابة التقليدية، ويفتح لها بابًا للإبداع والانفتاح. وبالفعل، ظهرت أعمال لافتة كسلسلة "الهيبة"، و*"رشاش"، و"بطلوع الروح"، و"بيئة جديدة"* لأعمال تتجاوز المحرمات التقليدية وتقترب من الواقع بشكل أكثر جرأة.
لكن هذه النقلة لم تكن خالية من السلبيات. فبعض الإنتاجات وقعت في فخ المبالغة في الصورة وسطحية المضمون، مع الاعتماد الزائد على التشويق دون عمق، وعلى "الموضة الدرامية" بدلًا من الأصالة الفنية.
أزمة نصّ.. لا أزمة ممثل
في خضم هذا الواقع، تُطرح دائمًا قضية جوهرية: هل مشكلتنا في الأداء أم في النص؟ والإجابة تميل بوضوح إلى النص. فالمواهب التمثيلية العربية لا تزال قادرة على الإبهار – ولدينا نماذج كثيرة تؤكد ذلك – لكن ما ينقصها هو نصوص ذكية، جريئة، ومعاصرة.
نصوص تفهم المجتمع دون أن تزايد عليه، وتنتقده دون أن تبتذله. نصوص لا تخاف من طرح الأسئلة، ولا تتهرب من مواجهة الحقائق، مهما كانت مؤلمة أو معقدة.
بين التجديد والهوية
من أبرز التحديات اليوم: كيف نُجدّد الدراما دون أن نفقد هويتنا؟
فالانبهار بالدراما التركية أو الإسبانية أو الكورية، يجب أن يكون دافعًا لتطوير الشكل، لا لنسخ المضمون. فلكل مجتمع خصوصيته، ولكل شاشة روحها.
الدراما العربية مطالَبة بأن تحفر في تربتها، لا أن تستورد بذورًا لا تنمو في بيئتها. علينا أن نروي قصصنا نحن، لا قصص الآخرين، وأن نُعبّر عن همومنا بلغتنا ولهجتنا وذاكرتنا الجماعية.
رغم كل ما سبق، لا تزال الدراما العربية حيّة. قد تكون مجروحة أو مرتبكة أو ضائعة أحيانًا، لكنها لم تمت. والمشهد مليء بمبادرات شابة، وطاقات صاعدة، ومحاولات للخروج من النمط المكرر.
الدراما ليست مجرد "فن"، بل هي أداة وعي، ومساحة مقاومة، ومرآة مجتمع. فإن أحسنت استغلالها، يمكنها أن تصنع الفارق، وتعيد تشكيل الوجدان العربي في زمن الفوضى.
المطلوب اليوم ليس فقط إنتاجًا أكثر، بل إنتاجًا أعمق. وليس فقط تمثيلًا جيدًا، بل رؤية جريئة ومسؤولة.
الدراما العربية... ليست مفقودة، لكنها تبحث عن ذاتها. فهل نساعدها على أن تجد الطريق؟
