الثلاثاء 28 يوليو 2026 03:08 صـ 12 صفر 1448 هـ
موقع البيان نيوز
المدير التنفيذي أميرة الزيات الإشراف العام أحمد حمدي رئيس التحرير محمد أبو العزم
×

تمرد على الطب من أجل ”مزبلة التاريخ”.. حكاية سراج منير الذي رهن عش زوجيته لإنقاذ السينما وصنع أسطورة ”عنتر”

الأربعاء 15 يوليو 2026 02:56 مـ 29 محرّم 1448 هـ
تمرد على الطب من أجل ”مزبلة التاريخ”.. حكاية سراج منير الذي رهن عش زوجيته لإنقاذ السينما وصنع أسطورة ”عنتر”

يصادف اليوم الأربعاء، الخامس عشر من يوليو، ذكرى ميلاد أحد أعظم عباقرة الجيل الذهبي للسينما المصرية؛ الفنان القدير سراج منير. الرجل الذي جمع بين هيبة المظهر الأرستقراطي وخفة الظل غير المحدودة، تاركاً خلفه إرثاً فنياً حافلاً بالجرأة والتمرد منذ اللحظة الأولى التي قرر فيها خيانة "مشرط الأطباء" من أجل "أضواء البلاتوه".

​من غرف تشريح الجثث في ألمانيا إلى شاشات السينما الصامتة

​ولد سراج منير عام 1904 في بيئة أرستقراطية صارمة؛ فوالده هو "عبد الوهاب بك حسن" مدير التعليم في المعارف، وشقيقه هو المخرج الأسطوري فطين عبد الوهاب.

​سافر سراج إلى ألمانيا لدراسة الطب نزولاً على رغبة عائلته، لكن العاصمة برلين أعدت له مصيراً مختلفاً تماماً:

​اللقاء المصيري: تعرف على مخرج ألماني فتح له أبواب المشاركة في الأفلام الصامتة براتب ثابت.

​خيانة الطب: اتخذ قراره الجريء بترك دراسة الطب نهائياً والتفرغ لدراسة الإخراج السينمائي برفقة صديق عمره محمد كريم في ميونخ، ليعود إلى مصر حاملاً شغفاً سينمائياً خالصاً.

​"يا امرأة الكل.. يا مزبلة التاريخ".. كواليس أول زلزال سينمائي ناطق

​لم تكن بدايات سراج منير عادية، بل ارتبط اسمه بأضخم التحولات الفنية في مصر:

​البداية الصامتة: لعب بطولة فيلم "زينب" عام 1930 الصامت تحت إدارة صديقه محمد كريم.

​الصدام الغربي الشرقي: شارك في فيلم "أولاد الذوات" عام 1932، وهو أول فيلم مصري ناطق على الإطلاق.

​جملة فجرت أزمة دبلوماسية: احتوى الفيلم على الجملة الشهيرة التي وجهها يوسف وهبي لزوجته الفرنسية الخائنة: "يا امرأة الكل.. يا مزبلة التاريخ"، وهي العبارة التي فجرت غضب الجاليات الأجنبية في مصر حينها واعتبرتها إهانة مباشرة للمجتمع الغربي.

​من وقار الأرستقراطية إلى صدمة "مخمخ" الكوميدية

​في بداياته المسرحية، كان سراج منير حريصاً على تقديم الشخصيات الجادة والوقورة حفاظاً على برستيجه الاجتماعي وعائلته الراقية، حتى جاء المخرج الكبير زكي طليمات ليحطم هذا القالب:

​مؤامرة "مخمخ": رشحه طليمات لدور شخصية كوميدية تدعى "مخمخ" في أوبريت "شهرزاد".

​غضب وثورة: ثار سراج منير واعتبر الدور محاولة متعمدة لتدمير مكانته الفنية وصورته أمام المجتمع.

​العبقرية المكتشفة: أمام إصرار طليمات، خضع سراج للدور، ليتفاجأ بانفجار قاعات المسرح بالضحك، واكتشف الجمهور والكاتب نفسه فجأة أنه يمتلك جينات كوميدية فتاكة أهّلته لاحقاً لتقديم دور "عنتر" الأيقوني في فيلم "عنتر ولبلب" عام 1945.

​إنقاذ إرث الريحاني.. والنهاية الدرامية برهن "عش الزوجية"

​عقب رحيل العبقري نجيب الريحاني، واجهت فرقته المسرحية خطر الانهيار والتفكك بعد انصراف الجمهور عنها. هنا تجسدت شهامة سراج منير الفنية؛ حيث قاد الفرقة بجسارة واستطاع ملء الفراغ الكبير وحمايتها من الإفلاس، محاولاً تحويلها إلى مدرسة لتخريج جيل جديد من كوميديانات المسرح.

​أما على الصعيد الإنتاجي، فقد قادته شهامته ورغبته في الارتقاء بالصناعة إلى نهاية مأساوية:

​مغامرة "حكم قراقوش": أنتج الفيلم عام 1953 بميزانية ضخمة بلغت 40 ألف جنيه بهدف محاربة الفساد والرشوة.

​الإفلاس وضياع الفيلا: صدم الفيلم بخسارة كارثية في شباك التذاكر ولم يحقق سوى 10 آلاف جنيه، مما اضطر سراج منير لرهن الفيلا الخاصة به والتي بناها لتكون عش الزوجية مع رفيقة دربه النجمة ميمي شكيب، التي عاش معها قصة حب وزواج استمرت 15 عاماً تخللتها روائع سينمائية مشتركة.

​رحل هذا العملاق بجسده في 13 سبتمبر 1957 عن عمر ناهز 53 عاماً، لكن صدى ضحكاته وأدواره الجريئة لا يزال حياً في وجدان السينما العربية.