مباني تنقذ الكوكب.. ابتكار يحول الخرسانة إلى فخ لثاني أكسيد الكربون
في تطور علمي قد يغير مستقبل صناعة البناء حول العالم، يعمل باحثون على تطوير نوع جديد من الخرسانة قادر على التقاط غاز ثاني أكسيد الكربون واحتجازه داخل بنيته بشكل دائم، بدلًا من إطلاقه في الغلاف الجوي كما يحدث في المواد التقليدية.
هذا الابتكار يمثل تحولًا جذريًا في مفهوم مواد البناء، حيث يمكن أن تتحول الخرسانة من أحد أكبر مصادر التلوث الصناعي إلى عنصر فعال في مواجهة تغير المناخ.
تعتمد الفكرة على استبدال جزء من الأسمنت التقليدي بمواد معدنية غنية بالمغنيسيوم، تتفاعل كيميائيًا مع ثاني أكسيد الكربون، وتحوله إلى مركبات صلبة مستقرة داخل المادة نفسها، في عملية تعرف باسم “التمعدن”.
بهذه الطريقة يتم احتجاز الكربون داخل الخرسانة بشكل دائم، مما يقلل من تأثيره البيئي ويمنع تسربه إلى الغلاف الجوي.
في ألمانيا، وتحديدًا داخل معهد كارلسروه للتكنولوجيا، يتم اختبار هذا النوع من الخرسانة في عناصر إنشائية حقيقية مثل العوارض والهياكل الحاملة، وقد أظهرت النتائج الأولية قدرة المادة على الحفاظ على قوتها ومتانتها رغم احتواء الكربون بداخلها.
ورغم هذه النتائج الواعدة، لا يزال التحدي قائمًا في تحقيق التوازن بين تقليل الانبعاثات وضمان كفاءة الأداء على المدى الطويل، خاصة فيما يتعلق بمقاومة العوامل الجوية وتحمل الأحمال المختلفة.
ويشارك الذكاء الاصطناعي في تطوير هذه المواد من خلال مشروع بحثي يعتمد على المحاكاة الحاسوبية والتعلم الآلي، ما يسمح بتجربة آلاف التركيبات المختلفة للوصول إلى أفضل صيغة ممكنة من حيث الكفاءة والاستدامة.
وتعود المشكلة البيئية للخرسانة التقليدية إلى عملية إنتاج الأسمنت، التي تعتمد على تسخين مواد أولية مثل الكلنكر في درجات حرارة مرتفعة، ما يؤدي إلى إطلاق كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، لتصبح صناعة الأسمنت واحدة من أكبر مصادر الانبعاثات عالميًا.
ومع تراجع توفر بعض البدائل التقليدية مثل الرماد المتطاير وخبث الأفران، اتجه العلماء إلى مواد جديدة مثل سيليكات المغنيسيوم، القادرة على التفاعل مع الكربون وتخزينه بشكل مستقر داخل البنية الخرسانية.
هذا التحول قد يجعل من المباني مستقبلًا خزانات دائمة للكربون، حيث يتم احتجاز الغازات الضارة داخلها بدلًا من إطلاقها، مما يفتح الباب أمام مفهوم جديد للبناء المستدام.
ومع الدعم البحثي الأوروبي، تسعى هذه التقنية للانتقال من مرحلة المختبر إلى الاستخدام الفعلي في مشاريع البناء، بما يوازن بين التكلفة والإنتاج الواسع.
وفي حال نجاحها، قد نشهد تغييرًا جذريًا في دور الخرسانة، من مادة تُسهم في تفاقم أزمة المناخ إلى أداة فعالة للمساعدة في حلها، لتصبح الجدران التي نبنيها جزءًا من الحل البيئي بدلًا من المشكلة.





