لغز حيّر العلماء 27 قرنًا.. كسوف شمسي قديم يكشف أسرار دوران الأرض وتاريخ الشمس
نجح علماء الفلك أخيرًا في حل واحد من أقدم الألغاز المرتبطة بظاهرة كسوف الشمس، وهو كسوف ظل محل جدل بين الباحثين لما يقرب من 2700 عام. وجاء هذا الاكتشاف بعد إعادة تحليل سجلات تاريخية صينية قديمة باستخدام نماذج فلكية حديثة ومتطورة.
ويرجع الحدث إلى كسوف شمسي كلي وقع عام 709 قبل الميلاد في دوقية «لو» بالصين، ويعد من أقدم الظواهر الفلكية التي وثّقها الإنسان بدقة في التاريخ. وقد ساهمت الدراسة الجديدة في تقديم فهم أعمق لتاريخ دوران الأرض وتغيرات النشاط الشمسي عبر العصور.
وصف غامض للشمس في السجلات القديمة
اعتمد العلماء في دراستهم على نصوص تاريخية صينية، خاصة ما ورد في كتاب كتاب هانشو، الذي تضمن وصفًا غير معتاد للشمس أثناء الكسوف، إذ ذُكر أنها بدت «صفراء تمامًا من الأعلى والأسفل».
ويرى الباحثون أن هذا الوصف قد يكون من أقدم الإشارات المكتوبة إلى ما يُعرف بـ الهالة الشمسية، وهي الطبقة الخارجية الخافتة من الغلاف الجوي للشمس، والتي لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة إلا أثناء الكسوف الكلي عندما يحجب القمر قرص الشمس بالكامل.
خطأ جغرافي أعاد كتابة الحسابات
وخلال إعادة دراسة الحدث باستخدام الحسابات الفلكية الحديثة، اكتشف العلماء أن الدراسات السابقة اعتمدت على موقع جغرافي غير دقيق لمدينة تشيوفو، العاصمة التاريخية لدوقية «لو».
وبعد مراجعة الأدلة الأثرية والخرائط التاريخية، تبيّن أن الموقع المستخدم سابقًا يبتعد بنحو 8 كيلومترات عن الموقع الحقيقي للمدينة، وهو ما أدى إلى اختلافات في حساب مسار الكسوف.
وقد سمح تصحيح هذا الخطأ بإعادة بناء مسار الظاهرة الفلكية بدقة أكبر، ومنح العلماء تصورًا أوضح لكيفية حدوث الكسوف في ذلك الزمن.
فهم أدق لدوران الأرض
كما ساعد هذا التصحيح العلماء على حساب سرعة دوران الأرض في تلك الحقبة بدقة أعلى، من خلال مقياس زمني يُعرف باسم ΔT، وهو مؤشر يُستخدم لدراسة التغيرات في سرعة دوران الأرض عبر التاريخ.
وأظهرت النتائج أن قيمة هذا التغير الزمني خلال ذلك الكسوف تراوحت بين 20264 و21204 ثانية، وهي بيانات مهمة تساعد في تحسين النماذج الفلكية التي تعيد بناء تاريخ دوران كوكب الأرض.
الشمس كانت تمر بمرحلة تعافٍ
وكشفت الدراسة أيضًا أن الشمس في ذلك الوقت كانت تمر بمرحلة تعافٍ من فترة هدوء طويلة تُعرف باسم الحد الأدنى الكبير الآشوري الجديد، وهي فترة شهدت انخفاضًا كبيرًا في عدد البقع الشمسية، وامتدت تقريبًا بين عامي 808 و717 قبل الميلاد.
الأشجار تكشف أسرار الفضاء
ولتعزيز هذه النتائج، قارن الباحثون البيانات التاريخية مع تحليلات حلقات الأشجار، التي تحتوي على نظائر الكربون المشع مثل الكربون‑14.
وتعمل الأشجار كأرشيف طبيعي يسجل تغيرات الغلاف الجوي، حيث تعكس مستويات الكربون-14 في حلقات نموها السنوية مقدار الأشعة الكونية التي تصل إلى الأرض، وهي بدورها مرتبطة بشكل مباشر بدرجة النشاط الشمسي.
ويمنح هذا الترابط العلماء أداة فريدة لقراءة تاريخ الشمس والنشاط الشمسي عبر آلاف السنين، مما يساعد على فهم أفضل للتغيرات التي شهدها نظامنا الشمسي عبر العصور.


