الخميس 4 يونيو 2026 02:38 صـ 17 ذو الحجة 1447 هـ
موقع البيان نيوز
المدير التنفيذي أميرة الزيات الإشراف العام أحمد حمدي رئيس التحرير محمد أبو العزم
×

سر القلقاس والقصب في عيد الغطاس.. حكاية طقوس عمرها قرون تكشف رموز التطهير والميلاد الجديد

الأحد 18 يناير 2026 05:41 مـ 29 رجب 1447 هـ
سر القلقاس والقصب في عيد الغطاس.. حكاية طقوس عمرها قرون تكشف رموز التطهير والميلاد الجديد

مع دقات أجراس الكنائس إيذانًا بحلول عيد الغطاس المجيد، تتبدل ملامح الشوارع والأسواق المصرية، حيث تتصدر مشاهد بيع القلقاس والقصب الواجهة، في طقس شعبي متوارث منذ مئات السنين. ورغم بساطة هذه الأطعمة، فإنها تخفي وراءها معاني دينية وروحية عميقة، جعلت منها أيقونات مرتبطة بالعيد ينتظرها المصريون عامًا بعد عام.

ويعود ارتباط القلقاس بعيد الغطاس إلى رمزيته اللافتة؛ إذ يحتوي في حالته النيئة على مادة مهيجة وسامة تزول تمامًا بالغسل والطهي، في إشارة واضحة إلى معنى التطهير من الخطية بالمعمودية. كما أن زراعته تتم بالكامل تحت الأرض، ليخرج بعدها إلى النور وينمو من جديد، وهو رمز دقيق للميلاد الثاني وحياة التجديد التي تنبع من سر المعمودية.

أما القصب، فحكايته لا تقل عمقًا، إذ ينمو في بيئة غنية بالمياه، في تذكير مباشر بمياه نهر الأردن حيث تعمّد السيد المسيح. ويُعبّر عوده المستقيم عن استقامة الروح، بينما يعكس تباين قشرته الصلبة مع حلاوة طعمه الداخلية فكرة احتمال المشقات والتجارب من أجل بلوغ حلاوة الإيمان ونقائه.

وتحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بعيد الغطاس المجيد باعتباره أحد الأعياد السيدية الكبرى، إحياءً لذكرى معمودية السيد المسيح في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان. ويحمل العيد دلالة لاهوتية فريدة، إذ يُعد إعلانًا إلهيًا واضحًا لظهور الثالوث القدوس؛ حيث كان الابن يعتمد، والروح القدس يحل بهيئة حمامة، وصوت الآب يشهد من السماء قائلًا: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت».

وتبدأ احتفالات العيد مساء اليوم بإقامة صلوات القداسات الإلهية ليلًا في الكنائس، وسط أجواء روحانية مميزة، على أن تُستكمل الطقوس والصلوات غدًا الاثنين الموافق 19 يناير، وهو اليوم الرئيسي لعيد الغطاس.

ويحظى عيد الغطاس بمكانة خاصة بين الأعياد السيدية، لارتباطه ببداية الخدمة الجهرية للسيد المسيح، ولما يحمله من معانٍ عميقة تعكس اتضاعه الكامل، إذ قبل المعمودية لا لاحتياجه إليها، بل لتقديس المياه ومنحها قوة التجديد والخلاص.

ويرتبط العيد ارتباطًا وثيقًا بسر المعمودية، أحد أسرار الكنيسة السبعة المقدسة، والذي يُعد باب الدخول إلى الحياة المسيحية. فالمعمودية تمثل ميلادًا جديدًا للإنسان، ينتقل فيه من الإنسان العتيق إلى الإنسان الجديد في المسيح، كما ورد في الكتاب المقدس: «إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله».

وتؤمن الكنيسة بأن المعمودية تُغفر بها الخطية الجدية، وينال الإنسان نعمة البنوة لله، ويُمسح بعدها بالميرون المقدس ليصير هيكلًا للروح القدس. ومن هنا، تأتي مناسبة عيد الغطاس كدعوة متجددة للتأمل في نعمة المعمودية والحياة الجديدة في المسيح.

وتشهد الكنائس خلال العيد صلوات خاصة، أبرزها صلوات اللقان وتقديس المياه، تأكيدًا لقدسية هذا الحدث، وإيمانًا بأن المياه التي قدسها السيد المسيح صارت رمزًا للنور والطهارة والحياة المتجددة.

ويظل عيد الغطاس المجيد مناسبة روحية متكاملة، تجمع بين الإيمان والطقس والتاريخ، وتعيد للأذهان معاني التطهير، والتجديد، والالتزام بحياة مقدسة بدأت منذ لحظة المعمودية.