الخميس 4 يونيو 2026 02:33 صـ 17 ذو الحجة 1447 هـ
موقع البيان نيوز
المدير التنفيذي أميرة الزيات الإشراف العام أحمد حمدي رئيس التحرير محمد أبو العزم
×

طفولة للبيع في وضح النهار.. كيف تحوّل زواج القاصرات في مصر إلى جريمة اتجار بالبشر بلا رحمة؟

الثلاثاء 30 ديسمبر 2025 10:15 مـ 10 رجب 1447 هـ
طفولة للبيع في وضح النهار.. كيف تحوّل زواج القاصرات في مصر إلى جريمة اتجار بالبشر بلا رحمة؟

في مساءٍ بارد من أواخر نوفمبر، وعلى مقهى شعبي بأحد أزقة مصر القديمة، كانت طفلة في الثالثة عشرة من عمرها تجلس صامتة، تحاول فهم كلمات متقطعة التقطتها أذناها صدفة، لم تكن تعرف أن الحديث الدائر بين والدها وسيدة تُعرف بـ«الخاطبة» ورجل غريب، هو في حقيقته تفاوض على بيع طفولتها، دقائق قليلة كانت كافية لتتحول حياتها إلى كابوس، بعدما أدركت أن مصيرها يُحسم مقابل مبلغ مالي.

هذه الطفلة، التي سنسميها «دنيا»، ليست سوى نموذج واحد لآلاف الفتيات اللاتي يقعن سنويًا ضحايا لزواج القاصرات، ظاهرة تتغلغل في المجتمع رغم وضوح القوانين التي تُجرّمها.

أرقام صادمة خلف الأبواب المغلقة

تشير بيانات رسمية صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن زواج القاصرات يمثل نحو 15% من إجمالي عقود الزواج في مصر، نسبة تكشف حجم الكارثة، خاصة أن قانون الطفل رقم 126 لسنة 2008 يحظر بشكل قاطع زواج الفتاة قبل بلوغها 18 عامًا.

لكن الواقع يقول إن القانون يُلتف عليه عبر عقود عرفية أو زيجات تُسمى زورًا «سياحية» أو «صفقات»، يكون الهدف منها ماديًا بحتًا، لتتحول الطفلة إلى وسيلة استغلال، وهو ما يضع الجريمة تحت مظلة الاتجار بالبشر وفقًا لقانون رقم 64 لسنة 2010.

القانون واضح.. والجريمة أوضح

يوضح محامون متخصصون في قضايا الأسرة أن أي زواج يتم قبل السن القانونية يُعد تحايلاً صريحًا على القانون، لأن القاصر تفتقد الأهلية القانونية لإبداء الرضا، ما يجعل العلاقة استغلالًا لا زواجًا، وتصل العقوبات في هذه الجرائم إلى السجن المشدد وغرامات كبيرة، وقد تصل إلى السجن المؤبد إذا ترتب عليها أذى جسيم أو وفاة.

صفقة على مقهى

في حالة دنيا، لم تستغرق الجريمة سوى جلسة قصيرة، رجل يكبرها بأكثر من عشرين عامًا، عقد زواج عرفي من نسختين، و20 ألف جنيه تسلمها الأب، لتنتهي الصفقة، خرجت الطفلة من المقهى إلى «عش زوجية» لم تختره، وهي تحمل سؤالًا واحدًا في عينيها: كيف يبيع الأب ابنته؟

لكن الجريمة لم تبقَ طي الكتمان خلاف على «زيادة المقابل» كشف المستور أمام صاحبة العقار، التي سارعت بإبلاغ خط نجدة الطفل، تحركت الجهات المختصة، وأُحيل الأب للمحاكمة، وصدر حكم بسجنه ثلاث سنوات مشدد بتهمة الاتجار بالبشر، ومع ذلك، بقيت المأساة قائمة: أب هارب، وأشقاء بلا عائل، وطفلة تعود إلى بيت بلا أمان.

حكايات تتكرر بأسماء مختلفة

قصة دنيا ليست استثناءً. «هند عبد العزيز» زُوّجت وهي في الخامسة عشرة ضمن صفقة مالية، لتعيش سنوات من العنف قبل أن تُحرم من أطفالها.

و«منى» حملت وهي طفلة، وكادت تفقد حياتها أثناء الولادة، ليُسجل طفلها رسميًا باسم عمه خوفًا من المساءلة، في واقعة صريحة لاختلاط الأنساب.

أما «هند كمال»، فقد وجدت نفسها أرملة صغيرة السن، تخوض معارك قضائية لإثبات نسب أطفالها بعد وفاة زوجها قبل توثيق الزواج.

خبراء يحذرون: الثمن أفدح من الفقر

تؤكد دراسات اجتماعية أن زواج القاصرات ينتشر أكثر في المناطق الأفقر، مدفوعًا بمعتقدات قديمة ترى في الزواج «سترة»، متجاهلة مخاطره الصحية والنفسية، ومستقبل الأطفال الناتجين عنه.

ويحذر متخصصون من أن القاصرات بعد الطلاق أو الهروب يتحولن إلى فريسة سهلة للاستغلال والعنف، وقد ينتهي بهن الأمر بلا مأوى أو حماية.

طفولة تُهدر باسم العادات

بين مقهى شعبي، وعقد عرفي، ومبلغ زهيد، تُهدر طفولة كاملة، وتُغلق أبواب التعليم والحلم. زواج القاصرات ليس «قدَرًا اجتماعيًا»، بل جريمة مكتملة الأركان، تستدعي مواجهة حقيقية قبل أن تتحول الطفولة إلى سلعة، وتصبح الأحلام ضحية صفقات الكبار.