موقع البيان نيوز

يوسف بطرس غالي يفتح صندوق ذكرياته: هكذا حاربنا البنك المركزي لإنهاء ”مذلة” طوابير المعاشات

السبت 18 يوليو 2026 10:30 صـ 2 صفر 1448 هـ
يوسف بطرس غالي يفتح صندوق ذكرياته: هكذا حاربنا البنك المركزي لإنهاء ”مذلة” طوابير المعاشات

لم تكن رقمنة أموال المصريين مجرد رفاهية تكنولوجية، بل كانت معركة طاحنة خيضت خلف الأبواب المغلقة لإنقاذ كرامة ملايين المواطنين. في حوار تلفزيوني مثير عبر بودكاست "موعد مع لميس" الذي تقدمه الإعلامية لميس الحديدي، فجر الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، مفاجآت مدوية حول كواليس ولادة منظومة الصرف الإلكتروني للرواتب والمعاشات في مصر، ملقياً الضوء على العقبات الكبرى التي كادت أن تطيح بالمشروع في مهده.

​الشرارة الأولى: مواطنون يشترون "الطوابير" في منتصف الليل

​أكد غالي أن الفكرة لم تأتِ من مكاتب مكيفة، بل ولدت من رحم مشاهد الزحام القاتل أمام منافذ الصرف، حيث صدم برؤية كبار السن يصطفون في الشوارع منذ منتصف الليل لحجز دور في صباح اليوم التالي. وكشف الوزير الأسبق عن ظاهرة "تجارة الطوابير" التي كانت سائدة آنذاك، إذ كان البعض يتقاضى أموالاً مقابل الوقوف بدلاً من أصحاب المعاشات، وهو وضع مهين مس كرامة المواطن ودفع بالوزارة للبحث عن ثورة تصحيحية جذرية.

​من هذه المأساة، ولدت فكرة البطاقات الإلكترونية وتأسيس شركة "إي فاينانس" لتكون الذراع التكنولوجية القادرة على بناء بنية رقمية تقضي على تلك المشاهد التاريخية.

​صدام عنيف مع البنك المركزي وتمويل مالي استثنائي

​كواليس المشروع شهدت مواجهات ساخنة؛ حيث كشف غالي عن تحفظ شديد واعتراضات واجهته من قبل البنك المركزي المصري، الذي اعتبر إصدار بطاقات صرف المعاشات توغلاً وتدخلاً في اختصاصاته المصرفية الحصرية. ولم يمر المشروع إلا بعد نقاشات عاصفة أقنع فيها غالي المسؤولين بأن هذه البطاقات وسيلة خدمية حكومية وليست بطاقات ائتمانية تقليدية.

​وبعد النجاح الساحق في قطاع المعاشات، قرر نقل التجربة إلى رواتب موظفي الدولة. ولتذليل عقبات البنك المركزي وكسر الجمود، عرضت وزارة المالية خطوة جريئة بتحمل التكلفة الكاملة لتركيب وتدشين نحو 1500 ماكينة صراف آلي "ATM" في أنحاء الجمهورية لتسريع وتيرة التنفيذ.

​زيادة غير مباشرة في الدخل: تراجع تكاليف المواصلات

​أشار وزير المالية الأسبق إلى أن النتائج الاقتصادية والاجتماعية للمنظومة فاقت كل التوقعات؛ حيث أبدى العديد من الموظفين سعادتهم بحدوث وفر مالي غير مباشر في دخولهم الفردية. هذا الوفر لم يكن نتيجة زيادة رسمية في الرواتب، بل بفضل توفير نفقات الانتقال والمواصلات الفارهة التي كانوا يتكبدونها للوصول إلى منافذ الصرف البعيدة، ناهيك عن الأمان الذي حققه النظام عبر الاستغناء عن حمل المبالغ النقدية الكبيرة.

​واختتم غالي شهادته مؤكداً أن هذه المعركة المبكرة لم تكن مجرد آلية لصرف الأموال، بل كانت حجر الأساس الحقيقي لتدشين عصر الشمول المالي والتحول الرقمي الذي تشهده مصر اليوم.