مصطفى صلاح يكتب: مها سليم.. وصناعة أعمال تبقى في الذاكرة
في أي بنية ثقافية ناضجة، لا يمكن فصل الفن عن حركة المجتمع، ولا يمكن النظر إلى الدراما باعتبارها مجرد منتج ترفيهي معزول عن سياقه، بل هي في حقيقتها أحد أشكال التعبير عن وعي الجماعة بنفسها، وعن الطريقة التي ترى بها العالم وتعيد تفسيره. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة تجربة مها سليم باعتبارها تجربة تتجاوز حدود المهنة، لتقترب من مفهوم الدور الثقافي داخل صناعة الدراما.
إن قيمة أي منتج فني لا تُقاس فقط بعدد الأعمال التي يشارك في إنتاجها، بل بطبيعة الاختيارات التي يتبناها، وبالمنطقة التي يقرر أن يتحرك فيها داخل الخريطة الثقافية. فهناك من يتحرك في المساحة الآمنة التي تضمن الانتشار السريع، وهناك من يقترب من المناطق الأكثر عمقًا وتعقيدًا، حيث يصبح العمل الفني محمّلًا بأسئلة تتجاوز لحظته الزمنية. وفي هذا السياق، يظهر مسار مها سليم بوصفه مسارًا قائمًا على إدراك واضح لفكرة المسؤولية الثقافية للإنتاج.
إن ما يلفت الانتباه في تجربتها هو هذا الإصرار على التعامل مع الدراما باعتبارها مساحة تفكير، لا مجرد مساحة عرض. فهي لا تنظر إلى العمل الفني كسلعة تُستهلك، بل كخطاب يُشارك في تشكيل الوعي العام، ولو بشكل غير مباشر. ومن هنا، تأتي أهمية اختيارها للمشروعات التي تحمل في داخلها قدرًا من الحس الإنساني والاجتماعي، والتي تقترب من تفاصيل الواقع المصري دون افتعال أو مبالغة.
لكن الذروة الفكرية في هذا المسار تتجلى في المشروع المرتقب حول سيرة مصطفى محمود. فاختيار هذه الشخصية لا يمكن فهمه إلا باعتباره انحيازًا واضحًا لمنطقة الفكر، لا منطقة الترفيه. فمصطفى محمود ليس مجرد اسم في الذاكرة الثقافية، بل هو حالة فكرية مركبة، عاشت دائمًا في مساحة التوتر بين العلم والإيمان، بين العقل والروح، بين الشك واليقين.
وهنا يظهر البعد الأعمق في دور الإنتاج؛ إذ لا يتعلق الأمر بإعادة سرد سيرة شخصية، بل بمحاولة الاقتراب من طريقة تفكيرها، ومن الأسئلة التي شكلت وعيها. وهذا النوع من الأعمال لا يُدار بمنطق التنفيذ فقط، بل بمنطق الفهم العميق للمادة الفكرية التي يتم تحويلها إلى عمل درامي. فكل خطأ في الفهم هنا ليس خطأ فنيًا فحسب، بل خطأ في قراءة الفكر نفسه.
إن الإشادة بمها سليم في هذا السياق لا تنبع من كونها منتجة ناجحة بالمعنى التجاري، بل من كونها تمتلك حسًا ثقافيًا يجعلها قادرة على الاقتراب من مناطق شديدة الحساسية دون أن تفقد توازنها بين العمق والجماهيرية. وهذا التوازن تحديدًا هو أصعب ما يمكن أن يواجه أي صانع دراما، لأنه يتطلب وعيًا مزدوجًا: وعيًا بطبيعة الجمهور، ووعيًا بطبيعة الفكرة نفسها.
كما أن ما يميز هذا النهج هو غياب التنازل عن القيمة لصالح السهولة. فالإنتاج، في هذه الحالة، لا يسير وفق منطق الاستجابة السريعة للسوق فقط، بل وفق منطق أعمق، يقوم على فكرة أن بعض الأعمال لا تُقاس لحظيًا، بل تُقاس بقدرتها على البقاء داخل الذاكرة الثقافية بعد انتهاء عرضها بسنوات. وهذا الفهم يعكس نوعًا من الانضباط الفكري في إدارة العمل الفني، حيث لا يُترك كل شيء لاعتبارات اللحظة.
وفي هذا الإطار، يمكن القول إن مها سليم تمارس دورًا يتجاوز حدود الإنتاج التقليدي، لتقترب من دور الوسيط الثقافي بين النص والمجتمع. فهي لا تكتفي بتمرير العمل إلى الشاشة، بل تشارك في تحديد ملامحه العامة، وفي اختيار المنطقة التي يقف فيها داخل المشهد الدرامي. وهذا الدور، رغم أنه غير مرئي للمشاهد العادي، إلا أنه جوهري في تشكيل النتيجة النهائية.
إن الدراما، في جوهرها، ليست مجرد حكايات تُروى، بل هي طريقة لفهم الواقع وإعادة ترتيبه داخل وعي المشاهد. ومن هنا، تصبح مسؤولية المنتج مسؤولية فكرية بقدر ما هي مسؤولية إدارية. وفي تجربة مها سليم، يظهر هذا البعد بوضوح، من خلال الإصرار على تقديم أعمال تحمل قيمة، حتى عندما تكون أكثر تعقيدًا في البناء أو أقل سهولة في التلقي.
ولا يمكن إغفال أن هذا المسار يقوم على احترام واضح للفن ذاته، بوصفه أداة معرفة لا تقل أهمية عن أي أداة أخرى في فهم المجتمع. فالفن، حين يُمارس بوعي، لا يعكس الواقع فقط، بل يشارك في تفكيكه وإعادة تركيبه، ويكشف عن طبقاته الخفية التي لا تظهر في الخطاب اليومي المباشر.
وهكذا، يمكن النظر إلى تجربة مها سليم باعتبارها محاولة هادئة، لكنها واعية، لإعادة تعريف موقع الإنتاج داخل الصناعة الدرامية المصرية. ليس بوصفه عنصرًا خلفيًا، بل بوصفه جزءًا من بنية الوعي الثقافي نفسه. وفي هذا المعنى، تصبح الإشادة بها ليست مجرد احتفاء بشخص، بل اعترافًا بدور مهم في إعادة صياغة العلاقة بين الفن والفكر، وبين الصورة والمعنى، وبين الدراما والإنسان.
