همسات مرعبة من القطب الجنوبي تهز علم الفيزياء
في أعماق القارة القطبية الجنوبية، حيث الصمت يطغى على كل شيء ولا يُسمع سوى هدير الرياح فوق الجليد الممتد بلا نهاية، رصد العلماء ظاهرة غير مسبوقة قد تغيّر ما نعرفه عن الكون بالكامل.
فقد التقط فريق بحثي متخصص 13 إشارة راديوية غامضة قادمة من تحت سطح الجليد، في اكتشاف أثار دهشة المجتمع العلمي عالميًا، وفتح بابًا جديدًا أمام احتمالات كونية مذهلة.
نبوءة علمية تتحقق بعد 60 عامًا
القصة تعود إلى عام 1962، عندما طرح الفيزيائي السوفيتي غورغن أسكاريان فكرة ثورية:
عندما تخترق جسيمات كونية فائقة الطاقة مادة كثيفة مثل الجليد، فإنها تُنتج إشعاعًا راديويًا دقيقًا يعرف باسم إشعاع أسكاريان.
لفترة طويلة، بقيت الفكرة في إطار النظريات والتجارب المعملية، دون دليل مباشر من الطبيعة… حتى الآن.
208 أيام من الرصد تكشف المفاجأة
خلال حملة علمية استمرت 208 أيام في عام 2019 داخل القارة القطبية، رصد فريق Askaryan Radio Array هذه الإشارات الغامضة.
الإشارات الـ13 بدت وكأنها تنبعث من أعماق الجليد، وليس من سطحه، وهو ما أثار التساؤلات حول مصدرها الحقيقي.
وباستخدام نماذج تحليل متقدمة، درس العلماء الترددات واتجاهات الموجات والخصائص الكهربائية للإشارات، لتكون النتيجة صادمة:
كل البيانات تتطابق بدرجة كبيرة مع التوقعات النظرية لإشعاع أسكاريان الناتج عن جسيمات كونية فائقة الطاقة.
دقة علمية شبه مؤكدة
الدراسة المنشورة في مجلة Physical Review Letters أوضحت أن احتمال أن تكون هذه الإشارات مجرد تشويش لا يتجاوز واحدًا من 3.5 مليون.
وهذا يعادل مستوى دلالة علمية يصل إلى 5.1 سيجما، وهي درجة تُستخدم عادة لإعلان اكتشافات علمية مؤكدة.
خطوة نحو كشف أسرار النيوترينوات
لكن الأهم من ذلك أن هذا الاكتشاف قد يكون مفتاحًا لرصد النيوترينوات فائقة الطاقة، وهي من أكثر الجسيمات غموضًا في الكون.
ويعتمد العلماء على اختلاف عمق وزاوية الإشارات داخل الجليد لتمييز نوع الجسيم، سواء كان ناتجًا عن الأشعة الكونية أو النيوترينوات التي تخترق المادة بعمق هائل.
نافذة جديدة على أعنف أحداث الكون
إذا تأكدت هذه النتائج في الأبحاث القادمة، فقد نكون أمام ثورة علمية حقيقية تفتح باب فهم:
انفجارات النجوم العملاقة
الثقوب السوداء
المجرات النشطة
والطاقة الكونية الهائلة
وفي صمت الجليد، يبدو أن الكون لا يزال يرسل رسائله الغامضة… والعلماء أخيرًا بدأوا في فك شفرتها.
