استعمار رقمي جديد: الذكاء الاصطناعي يسرق الماء ويتركنا عطشى
في عصرٍ يندر فيه كل قطرة ماء، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة ابتكار إلى مستهلك شره للمياه، ليصبح كل استفسار على ChatGPT بمثابة خصم مباشر من رصيدنا المائي. دراسة حديثة من جامعة كاليفورنيا، ريفرسايد، تكشف أن 100 كلمة يكتبها الروبوت تكلف نصف لتر من المياه العذبة، وهو رقم يبدو صغيرًا، لكن مع المليارات من الاستفسارات اليومية، يتحول إلى "نهر من المياه" يذهب هدراً.
مركز بيانات ضخم واحد يستهلك يوميًا 19 مليون لتر مياه، أي ما يعادل استهلاك بلدة صغيرة، بينما يستهلك تدريب نموذج واحد من GPT-3 نحو 700 ألف لتر قبل حتى أن يجيب على سؤال واحد. وبحلول 2027، سيحتاج الذكاء الاصطناعي إلى 6.6 مليار متر مكعب من المياه العذبة، وهو رقم يمكن أن يسد رمق قرى كاملة تواجه الجفاف.
كيف ينهش الذكاء الاصطناعي المياه؟
مراكز البيانات مليئة بخوادم عملاقة تعمل 24 ساعة، وتولد حرارة هائلة تُبرد عبر أنظمة التبريد بالمياه، التي تُبخر معظمها في الهواء، وهو ما يضيع المياه نهائيًا من الدورة الطبيعية. أما الكهرباء التي تحتاجها هذه المراكز لتعمل، فهي نفسها عملية شديدة الاستهلاك للمياه، سواء لتوليد الطاقة أو لتحلية المياه في الدول الصحراوية.
الشرق الأوسط على خط النار
الواقع العربي أكثر حدة؛ فوفقًا لتصنيف الأمم المتحدة، 13 دولة عربية تحت خط "الإجهاد المائي الشديد"، و19 دولة تحت حد الفقر المائي، أي أقل من 1000 متر مكعب للفرد سنويًا. كل قطرة يستهلكها الذكاء الاصطناعي هي خصم مباشر من نصيب المواطن العربي.
الدكتور خالد أبوزيد، المدير الإقليمي للموارد المائية بمنظمة "سيداري"، وصف مراكز البيانات بأنها "تهديد نوعي جديد"، لأنها تنافس البشر على مياه الشرب النقية، وتتركز الاستهلاكات في نقاط محددة، مما يضغط على الشبكات المحلية ويزيد فواقد البخر، بعكس المياه المنزلية التي تعود إلى الدورة المائية.
تصدير العطش للجنوب
بينما تتصاعد الاحتجاجات في الغرب لإيقاف مشاريع مراكز البيانات، هربت شركات التكنولوجيا إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، مستغلة التشريعات المخففة وحاجة الدول للاستثمارات، محولة الذكاء الاصطناعي إلى أداة استعمار رقمي جديدة.
الخبراء يؤكدون أن المناخ الحار يزيد من استهلاك المياه لتبريد الخوادم، ما يجعل الدول العربية وشمال أفريقيا أكثر عرضة للمخاطر، ويطرح سؤالاً وجوديًا: هل نفتح الباب للسيادة الرقمية على حساب حياة شعوبنا؟
الحل يكمن في التشريعات والشفافية
خبراء المياه والدراسات البيئية يطالبون بوضع كود عربي موحد لمراكز البيانات الخضراء، مع تحديد سقف استهلاك المياه لكل وحدة بيانات، واستخدام مياه معالجة أو أنظمة تبريد بالهواء، إلى جانب حملات توعية للمواطنين لتقليل الاستهلاك غير الضروري للذكاء الاصطناعي.
جرينبيس الشرق الأوسط تحذر من أن الزيادة المستمرة في الطلب على الطاقة لتشغيل الذكاء الاصطناعي تزيد الانبعاثات الكربونية 4.5 مرة، وتعيد إنتاج "ديناميكيات استعمارية" حيث تستفيد دول الشمال على حساب الجنوب.
