موقع البيان نيوز

عبد المنعم إبراهيم.. نهر الكوميديا الذي لم يجفّ بعد 37 عاماً على الرحيل

الإثنين 17 نوفمبر 2025 12:02 مـ 26 جمادى أول 1447 هـ
عبد المنعم إبراهيم.. نهر الكوميديا الذي لم يجفّ بعد 37 عاماً على الرحيل

تحل اليوم ذكرى رحيل واحد من أعظم نجوم الكوميديا في تاريخ الفن المصري، الفنان عبد المنعم إبراهيم، الذي لم يكن مجرد ممثل يثير الضحك، بل كان مدرسة فنية مكتملة الملامح، امتزج فيها الحس الإنساني بخفة الظل، والبساطة بالعمق، ليترك إرثاً لا يُمحى في السينما والمسرح والتلفزيون.

ميلاد وبدايات "عملاق الخفة"

وُلد عبد المنعم إبراهيم محمد حسن الدعبشي في 24 ديسمبر 1924 بمحافظة بني سويف، بينما ترجع جذوره إلى قرية ميت بدر حلاوة بالغربية. ورغم حصوله في البداية على دبلوم المدارس الصناعية ببولاق، إلا أن شغفه بالفن دفعه للالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية.

أما المفارقة، أنها كانت اللحظة الأولى التي جمعته بزميل مشواره الفنان عبد المنعم مدبولي، فقد دخلا اختبارات القبول سويًا أمام لجنة من عمالقة المسرح المصري: جورج أبيض، نجيب الريحاني، يوسف وهبي، وزكي طليمات. اجتاز الاثنان الاختبارات، لتبدأ حكاية اثنين من أعمدة الكوميديا.

من المسرح الحديث إلى القومي.. رحلة مديدة فوق الخشبة

تخرج عبد المنعم إبراهيم عام 1949، وانضم إلى فرقة المسرح الحديث بقيادة زكي طليمات، مشاركًا في مسرحيات «مسمار جحا» و«ست البنات». ورغم ميله للأدوار التراجيدية، إلا أن هدوءه وروحه المرحة دفعاه ليكون نجمًا كوميديًا من الطراز الرفيع.

بعد فترة قصيرة، ترك وظيفته الحكومية ليتفرغ بالكامل للفن، ثم انضم إلى فرقة إسماعيل ياسين، وشارك في مسرحيات عديدة من بينها «معركة بورسعيد» و«جمهورية فرحات»، قبل أن يعود ليستقر في المسرح القومي الذي اعتبره بيته الحقيقي طوال حياته.

خلال العدوان الثلاثي عام 1956، شارك في واحدة من أهم مسرحيات تلك الحقبة بعنوان «معركة بورسعيد»، قبل أن يلمع في أعمال مسرحية ضخمة مثل «حلاق بغداد»، «السلطان الحائر» و«معروف الإسكافي».

نجم السينما.. و"شارلي شابلن العرب"

لم يتأخر بريقه السينمائي كثيرًا، فقد تألق في أدوار الصديق خفيف الظل، ومنها ظهوره مع رشدي أباظة في «الزوجة 13» و«عدو المرأة». وفي عام 1959، انفجرت موهبته في أول بطولة مطلقة له بفيلم «سر طاقية الإخفاء» مجسدًا شخصية عصفور قمر الدين، الصحفي الفاشل الذي يتحول إلى نجم بفضل طاقية سحرية.

كما اشتهر بتجسيد الأدوار النسائية الكوميدية، مثل نرجس ريحان في «لوكاندة المفاجآت» وسكر هانم في فيلم «سكر هانم»، إلى جانب دوره الشهير كـ"الجدة التركية" في «أضواء المدينة» عام 1972.

وفي فيلم «إشاعة حب» سبق الزمن بتنفيذ ما يشبه الـ"داب سماش" قبل ظهوره بعقود، حين جسّد بصوته شخصية هند رستم في المشهد الأيقوني:«كده برضه يا سونة يا خاين.. أحبك وأعشقك وأموت في هواك»

إفيهات خالدة وشخصيات لا تُنسى

اشتهر عبد المنعم إبراهيم بإجادة اللغة العربية، ما أهّله لأدوار مثل "الشيخ عبد البر" في «إسماعيل يس في الأسطول». كما برع في التلفزيون من خلال أعمال مثل «الشهد والدموع»، «زينب والعرش»، «غصن الزيتون» وغيرها.

وينتمي إلى الجيل الذهبي لنجوم الإذاعة الذين قدمهم برنامج «ساعة لقلبك» إلى جانب فؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي والمعلم شكل.

جوائز ومسيرة مُكللة بالتقدير

حصد الفنان الكبير عدة جوائز رفيعة أبرزها:

وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1983

درع المسرح القومي عام 1986

حياة شخصية حافلة بالألم والصدمات

ورغم ابتسامته الدائمة، عاش عبد المنعم إبراهيم سلسلة من المآسي، أبرزها وفاة زوجته الأولى فجأة تاركة له أربعة أطفال، أصغرهم لم يكمل عامه الثاني. وبعد عامين فقط، فقد شقيقه تاركًا ستة أبناء، فوجد نفسه مسؤولًا عن 11 فردًا.

ثم توالت أحزانه بوفاة والده، ما اضطره للعودة للعمل سريعًا رغم جراحه الداخلية، ليواصل إسعاد الملايين بينما يحارب آلامه بصمت.

تزوج أربع مرات، وكان زواجه الأخير من الفنانة كوثر العسال التي عاش معها 20 عامًا حتى وفاته.

الرحيل.. ووصية عاشق المسرح

رحل عبد المنعم إبراهيم في 17 نوفمبر 1987 عن عمر 63 عامًا، بعد رحلة فنية استثنائية. أوصى بأن تخرج جنازته من المسرح القومي الذي كان يعتبره بيته وملاذه، وأن يُدفن في قريته ميت بدر حلاوة بالغربية.