دعاء مجدي تكتب : عنـدما يتـحول الفنـان إلـى مـذيع... مـهنة تُختـزل أم إعـلام يُشـوّه
في السنوات الأخيرة، لاحظنا ازديادًا لافتًا في ظهور عدد من الفنانين على شاشات التلفزيون وهم يقدّمون برامج حوارية أو ترفيهية، متقمّصين دور المذيع بكل جرأة وثقة.
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى خطوة طبيعية لفنان يمتلك الكاريزما وحضور الشاشة، لكن خلف هذا المشهد البراق، تُطرح تساؤلات جوهرية: هل تحوّل بعض الفنانين إلى مذيعين هو استسهال للمهنة؟ أم أنه استغلال ذكي لشهرتهم وجماهيريتهم؟
الشهرة تفتح الأبواب لكن ماذا بعد؟
لا شك أن اسم الفنان وحده كفيل بجذب المشاهدات، خاصة إن كان يتمتع بجماهيرية واسعة. شركات الإنتاج تبحث عن الأرقام، والإعلانات لا تأتي إلا مع "الترند"، وهنا يجد الفنان نفسه هدفًا مغريًا للقنوات التي ترغب في رفع نسب المشاهدة بسرعة.
لكن السؤال الحقيقي هو: هل يمتلك كل فنان مقومات المذيع المحترف؟
العمل الإعلامي لا يقتصر على الجلوس أمام الكاميرا وطرح الأسئلة، بل يحتاج إلى مهارات الحوار، إدارة الوقت، التوازن، الثقافة، والقدرة على التفاعل مع الضيوف باحترافية.
حين يُختزل الإعلام في "كاريزما الفنان
التحول من التمثيل إلى التقديم التلفزيوني ليس جريمة بالتأكيد، فبعض الفنانين أثبتوا نجاحهم وتمكنهم في هذا المجال، وقدموا محتوى قيّمًا وجذابًا.
لكن المعضلة تبدأ حين يُختزل مفهوم "المذيع" في مجرد شكل جذّاب وحضور فني، دون الاهتمام بجوهر الرسالة الإعلامية.
نرى أحيانًا فنانين يقدّمون برامج لا تتناسب مع طبيعتهم، أو يطرحون أسئلة سطحية، أو يتعاملون مع الضيوف بنوع من "الاستعراض" لا المهنية، ما يفرغ البرنامج من مضمونه ويُضعف ثقة الجمهور بالمحتوى الإعلامي نفسه.
بين الموهبة والمهارة فرق لا يُستهان به
هناك فرق كبير بين الموهبة في التمثيل والمهارة في التقديم الإعلامي. الأولى قد تكون فطرية، بينما الثانية تُكتسب بالتدريب والخبرة والاطلاع.
المذيع لا يُبهر الجمهور فقط بحضوره، بل بقدرته على إدارة الحوار، على الاستماع، على انتزاع التصريحات، وعلى احترام عقل المشاهد.
وهنا يُطرح السؤال بصراحة: هل كل فنان مؤهل ليكون مذيعًا؟ وهل من العدل تجاه مهنة الإعلام أن تُفتح أبوابها لمن لا يملك أدواتها؟
لا يمكن إنكار أن بعض الفنانين أضافوا نكهة خاصة للبرامج التي قدموها، ونجحوا في تقديم محتوى لافت. ولكن في المقابل، هناك من دخلوا هذا المجال فقط لأنهم يمتلكون "اسماً"، دون أن يكون لديهم أي استعداد للتعلم أو التطور.
النتيجة؟ برامج تعتمد على "الشهرة" لا الجودة، و"الترفيه الفارغ" بدل الحوار الحقيقي.
النجومية لا يجب أن تكون بطاقة عبور تلقائية إلى جميع المهن، فلكل مجال أدواته، واحترام التخصص ضرورة لا ترف.
الكرسي الذي يجلس عليه المذيع ليس مجرد قطعة أثاث... بل موقع مسؤولية.
